آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » طرطوس وأرواد: استعادة الوصل وانطلاق الساحل نحو مستقبله

طرطوس وأرواد: استعادة الوصل وانطلاق الساحل نحو مستقبله

محمد نزال

 

ثمة لحظات تتجاوز رمزيتها حدود المناسبة، لتغدو إعلانا عن مرحلة بأكملها. زيارة رئيس الجمهورية إلى جزيرة أرواد، وهي الأولى من نوعها لرئيس سوري، تحمل دلالة تتجاوز البعد البروتوكولي إلى عنوان لتحول جوهري في النظرة إلى الساحل السوري برمته: من هامش طالما عومل بوصفه أطرافا، إلى واجهة وطنية واعدة تستعيد موقعها على خريطة المستقبل.

في كل بقعة من العالم تتوافر فيها المياه، نهرا كان أم بحرا، يستقر الناس على ضفافها وسواحلها، وتنشأ حولها الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، فتغدو المياه مصدر حياة ورزق وعمران. غير أن الساحل السوري شكّل استثناء مؤلما من هذه القاعدة الطبيعية؛ إذ واجه على مدى عقود تهميشا وتفقيرا متعمدين، حُرم خلالهما من فرص النهوض التي تتيحها له جغرافيته وموقعه.

لم يكن ذلك التهميش وليد إهمال عابر أو سوء تقدير تنموي، إنما جاء ضمن سياسة محسوبة اعتمدها نظام البعث البائد. فإفقار المنطقة وتجفيف فرص العمل والاستثمار فيها دفع الكثير من أبنائها وشبابها إلى الهجرة نحو دمشق وحمص بحثا عن لقمة العيش، أو إلى الانخراط في صفوف الجيش والأجهزة الأمنية بوصفها المنفذ الوحيد المتاح للرزق.

وبهذه الآلية رُبط مصير شريحة واسعة من أبناء الساحل بمصير السلطة، وتحوّل الحرمان الاقتصادي إلى أداة لإحكام السيطرة وضمان الولاء، فيما بقيت الموارد الطبيعية والبشرية للمنطقة معطلة عن أداء دورها الحقيقي.

وعلى هذا النحو، كان البحر الذي يُفترض أن يكون نافذة المنطقة على الازدهار، محجوبا عن أهله، والميناء الذي يصل البر بجزيرة أرواد عاجزا عن أداء وظيفته الجامعة، حتى بدا البر والجزيرة عالمين منفصلين، وعمّقت تلك السياسة الفجوة بينهما كجزء من منظومة أوسع للتقسيم والإضعاف وتفكيك المجتمع

المقاربة التي تقدمها قيادة سوريا الجديدة تنطلق من فلسفة عمادها أن الساحل ثروة وطنية جامعة، وأن نهوضه شرط من شروط نهوض البلاد. فبدل ربط مصير الناس بمصير السلطة عبر الحرمان، يُطرح اليوم مشروع يربط مصير المنطقة بفرصها وإمكاناتها، ويعيد إلى أبنائها حقهم في العمل والاستثمار والعيش الكريم على أرضهم وبجوار بحرهم.

من هذا الأفق تنهض فكرة استعادة الوصل. فالميناء وجزيرة أرواد ثنائية متلازمة في هوية طرطوس وذاكرتها، وتأتي إعادة تأهيل الميناء واستئناف الرحلات إلى أرواد لتحمل دلالة تتجاوز بعدها الخدمي واللوجستي، فهي إعلان بأن زمن التقسيم والتهميش قد انتهى، وأن الصلة بين البر والجزيرة تُستعاد اليوم برؤية واضحة وإرادة سياسية جامعة.

وفي هذا السياق يتجسد عمق التحول: فحضور الرئيس على أرض الجزيرة إيذان بانتقال أرواد من حال الإهمال إلى مرتبة الوجهة السياحية، تحملها رؤية تطوير متكاملة وخرائط استثمارية واضحة المعالم.

ومن هذا الأساس تنطلق دعوة الاستثمار بصيغتها الجديدة: الجهات الحكومية تتكفل بالبنى التحتية والمخططات والإطار القانوني الناظم، فيما يُفتح المجال واسعا أمام القطاع الخاص لبناء نماذج سياحية مستدامة تليق بتاريخ الجزيرة العريق وطبيعتها الفريدة.

وكأن الزيارة تقول: لنعد وصل ما فُصل، ولنفتح طرطوس وأرواد وجهةً وشراكةً أمام الزائر والمستثمر معا، إيذانا بمرحلة جديدة لساحل سوري يستأنف حضوره ودوره، ويستعيد موقعه الطبيعي بوصفه بوابة سوريا نحو المتوسط والعالم.

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الشعب السوري ليس واحدًا ولا يشبه بعضه… هذه حقيقة، ولكن!

  بقلم:د. جابر قاسم مع بدء حملة جديدة تدعو إلى مقاطعة العلويين، وظهور موجة جديدة من التحريض الطائفي، سواء عبر بعض المنابر أو من خلال ...