بقلم: حسن حردان
تُظهر التطورات الأخيرة أن المواجهة دخلت منعطفاً بالغ الخطورة، متجاوزة القواعد الكلاسيكية للاشتباك العسكري نحو معادلة استهداف البنى التحتية الحيوية، ما يضع الإقليم برمته أمام اختبار قاسٍ ومكلف.
إن ربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب استهداف السفن في مضيق هرمز بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء الإيرانية، وردّ طهران بمعادلة “الجميع أو لا أحد”، يعكسان قراراً بنقل الكلفة إلى مستويات غير مسبوقة. ويعني هذا التحول أن المدن، وشبكات الطاقة، والمياه، والموانئ، باتت جميعها جزءاً من بنك الأهداف المباشرة.
في ضوء ما تقدم، تبرز تساؤلات جوهرية: هل طُوي خيار الدبلوماسية، وأصبحت الكلمة للغة الحرب المفتوحة؟ أم أن ترامب يسعى إلى ممارسة سياسة الضغط الأقصى على حافة الهاوية، في محاولة أخيرة لتحقيق أهدافه قبل العودة إلى التراجع تحت مظلة مذكرة تفاهم؟
إن التطورات المتسارعة تضع المنطقة والعالم أمام مأزق شديد التعقيد؛ فالتداخل بين التصعيد العسكري المباشر والتلويح باستهداف البنى التحتية الحيوية لا يعبّر بالضرورة عن سقوط نهائي لجميع المسارات الدبلوماسية، بل يمثل، في الغالب، الذروة القصوى لعقيدة “الدبلوماسية القسرية” التي يديرها البيت الأبيض، بالتوازي مع استعدادات صلبة من الجانب الإيراني ومحور المقاومة لامتصاص الصدمة ثم عكس تداعياتها.
وفي ضوء المعطيات البنيوية والسياسية الراهنة، يمكن مقاربة المشهد من خلال السيناريوهين التاليين:
أولاً: سيناريو الضغط الأقصى على حافة الهاوية
يميل هذا الاتجاه إلى ترجيح أن ما تشهده المنطقة ليس إعلاناً لحرب مفتوحة شاملة ومستدامة، بل اشتباك مدروس بعناية على حافة الهاوية، تحكمه الاعتبارات الآتية:
1- طبيعة استراتيجية ترامب التفاوضية:
يعتمد الرئيس الأميركي، تاريخياً، على خلق حالة من عدم اليقين المطلق، والتهديد بسقوف مدمرة، مثل استهداف محطات الكهرباء والجسور، ورفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، بهدف دفع الخصم إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة، مع تجنب التورط في حرب استنزاف برية طويلة الأمد لا يحتملها الاقتصاد الأميركي ولا حلفاؤه الإقليميون.
2- حسابات الكلفة الباهظة:
تدرك واشنطن وحلفاؤها الخليجيون أن توسيع نطاق استهداف البنى التحتية للطاقة والمياه سيقابله رد إيراني عابر للحدود الجغرافية التقليدية، يشمل تعطيل الملاحة في الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز وباب المندب، وما يرافق ذلك من شلل اقتصادي عالمي، الأمر الذي يجعل كلفة الحرب أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية محتملة.
3- نافذة التراجع المرن:
يفترض هذا السيناريو وجود باب خلفي يسمح بالوصول إلى تسوية أو “مذكرة تفاهم” تمنح كل طرف فرصة إعلان انتصار سياسي، بحيث تُستخدم الضربات المتبادلة والتهديدات القصوى لفرض وقائع ميدانية تسبق العودة إلى الترتيبات الدبلوماسية.
ثانياً: سيناريو الانزلاق التدريجي نحو حرب البنى التحتية المفتوحة
في المقابل، فإن الانتقال من استهداف القطع البحرية أو القواعد العسكرية إلى استهداف البنى التحتية الحيوية، كمنشآت الطاقة والمياه والموانئ، يحمل في طياته مخاطر تقنية وسياسية قد تخرج الموقف عن السيطرة، بغض النظر عن النوايا المسبقة.
1- سقوط ضوابط الردع:
عندما تصبح محطات توليد الكهرباء والمنشآت الحيوية في مرمى النيران، سواء في إيران أو في الدول الخليجية المستضيفة للقواعد الأميركية، يضيق هامش الخطأ إلى حد كبير. وأي خطأ في التقدير أو ضربة غير محسوبة قد يؤدي إلى خسائر بشرية واسعة أو كارثة بيئية واقتصادية، تجبر الطرف المتضرر على رد قاسٍ، ما يفتح الباب أمام دوامة متسارعة من التصعيد.
2- معادلة “الجميع أو لا أحد”:
إذا تبنت طهران ومحور المقاومة استراتيجية تربط أمن الإقليم بأكمله بأمنها القومي، فإن سياسة الضغط الأقصى قد تتحول من أداة تفاوضية إلى شرارة تشعل جبهات مترابطة ومتزامنة، في اليمن والخليج ولبنان، لتصبح العودة إلى المسار الدبلوماسي أكثر صعوبة، وربما مستحيلة في المدى المنظور.
الخلاصة
في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن الدبلوماسية لم تُطوَ نهائياً، لكنها دخلت غرفة العناية المركزة. فالمنطقة لا تشهد، حتى الآن، حرباً شاملة بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما تعيش أخطر مراحل اختبار الإرادة على حافة الهاوية.
ويصطدم رهان الإدارة الأميركية على انتزاع استسلام استراتيجي عبر التهديد الشامل، بصلابة المقاربة الإيرانية القائمة على مبدأ “توزيع الكلفة إقليمياً وعالمياً”. وعليه، يبقى المشهد مرشحاً للاستمرار في المنطقة الرمادية الساخنة لفترة إضافية، حيث تتقاطع التهديدات مرتفعة السقف مع اتصالات خلفية مكثفة، في ظل إدراك جميع الأطراف أن أي انزلاق خارج السيطرة سيكلف الإقليم والاقتصاد العالمي أثماناً باهظة تعجز اي قوة عن احتوائها
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

