آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » المراجعة ضرورة وطنية تفرضها مسؤولية الحكم وطبيعة المرحلة

المراجعة ضرورة وطنية تفرضها مسؤولية الحكم وطبيعة المرحلة

 

 

 

بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة

مدير المركز السوري للدراسات القانونية

 

إن المراجعة الذاتية التي تجريها القيادة لأدائها بين فترة وأخرى، والاستماع إلى النقد الصادر عن المعارضين لها أو المستقلين عنها، ليستا علامة ضعف، وإنما هما من علامات النضج السياسي، ومن شروط نجاح أي تجربة في الحكم.

 

وفي الحالة السورية، وبعد مرور قرابة عامين على وجود القيادة الحالية في السلطة، أصبحت المراجعة ضرورة وطنية تفرضها مسؤولية الحكم وطبيعة المرحلة.

 

وتبدأ هذه المراجعة، في تقديري، من مسارين أساسيين:

 

أولًا: التقييم الذاتي لأداء القيادة

 

ينبغي عقد اجتماع للقيادة يُخصَّص لتقييم أدائها، ومراجعة ما أنجزته وما أخفقت في تحقيقه، وتحديد أسباب الإخفاق ومعالجتها.

 

وتزداد أهمية هذا اللقاء في ظل عدم وجود مجلس وزراء يجتمع بصورة دورية لمناقشة الخطط والبرامج بصورة مؤسسية، ومتابعة ما نُفِّذ منها وما تعثّر، وتحديد أسباب التعثر وسبل معالجته.

 

ثانيًا: الاستماع إلى الرأي الآخر

 

من حق السوريين أن يعرفوا: ما خطط القيادة السياسية والاقتصادية والخدمية والإدارية؟ وما أولوياتها؟ وما برنامجها التنفيذي؟ وما الجدول الزمني لتنفيذ ما تعد به؟ وماذا أُنجز؟ وماذا تعذّر إنجازه؟ ولماذا؟

 

هذه ليست أسئلة معادية للسلطة، ولا محاولة لإفشالها، وإنما هي أسئلة طبيعية في أي دولة يُفترض أن تقوم على المسؤولية والمساءلة.

 

والمقلق هنا أن تكتفي القيادة بالقول إن النهج السياسي والاقتصادي والاجتماعي يسير في الاتجاه الصحيح، وإنه لا توجد حاجة إلى المراجعة، بحجة أن البلاد لا تزال في مرحلة التمكين، وأن المرحلة الانتقالية لم تنتهِ بعد.

 

في حين أن قطاعًا واسعًا من السوريين يرى أن أداء القيادة يحتاج إلى مراجعة جدية ومسؤولة، ويطرح ملاحظات تستحق إجابات واضحة، وفي مقدمتها تغليب الولاءات على الكفاءات في شغل المناصب والوظائف، وانتشار المحسوبيات، وما يُتداول عن فساد واسع طال مفاصل متعددة من الدولة، فضلًا عن التسويات المالية مع بعض المتهمين بارتكاب جرائم، وما يراه كثيرون عدالة انتقائية، إلى جانب غياب نظام مالي شفاف ومتاح أمام الرأي العام، وضعف أدوات الرقابة المالية والمساءلة.

 

والأخطر من ذلك:

 

*أن تتحول المراجعة إلى مجرد استعراض للإنجازات، بينما تُفسَّر الإخفاقات بأنها نتيجة “الظروف الاستثنائية” وتُبرَّر الأخطاء بأنها من “ضرورات المرحلة”.

 

*أن تنظر القيادة إلى كل نقد باعتباره محاولة لإفشالها، أو مؤامرة على وجودها، أو خيانة للوطن.

 

وهنا ينبغي التنبيه إلى حقيقة سياسية يعرفها التاريخ جيدًا:

 

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي قيادة لا يأتي بالضرورة من أعدائها، وإنما قد يأتي من داخلها، عندما تفقد القدرة على سماع النقد، وتحيط نفسها بمن يقولون لها: “كل شيء على ما يرام”.

 

عندها يصبح المديح مصدر معلوماتها، ويصبح الاختلاف إزعاجًا، وتتحول الملاحظات إلى اتهامات، والنصيحة إلى مؤامرة.

 

وعندها تبتعد القيادة عن الواقع، وتتحول هي نفسها إلى مشكلة تحتاج إلى معالجة.

 

لذلك، نؤكد المبادئ التالية:

 

*المرحلة الانتقالية ليست مرحلة إعفاء من المساءلة.

*السلطة الانتقالية ليست خارج دائرة التقييم.

*القول إن “المرحلة لم تنتهِ بعد” لا يمكن أن يكون جوابًا كافيًا عن الأسئلة المتعلقة بالأداء والإنجاز والإخفاق.

*القيادة الواعية لا تنتظر حتى تتراكم الأخطاء وتصبح عملية التصحيح أكثر كلفة وصعوبة.

*الاعتراف بوجود خلل ليس ضعفًا.

*تصحيح الخطأ ليس هزيمة.

*الاستماع إلى النقد ليس تنازلًا عن السلطة.

 

والأهم من ذلك كله، أن تدرك القيادة أن الاستمرار بهذه الذهنية، وبالأسلوب ذاته، ومن خلال الانفراد بالقرار، لا يضر بها وحدها، وإنما يضر بالوطن ومستقبله، ويبدّد فرص نجاح المرحلة الانتقالية.

 

فالقيادة قد تتحمل أخطاءها السياسية، أما الوطن فلا ينبغي أن يدفع ثمنها.

 

لذلك، فإن القيادة التي تراجع نفسها اليوم تستطيع أن تصحح مسارها غدًا؛ أما القيادة التي ترفض مراجعة نفسها، فقد تجد نفسها يومًا مضطرة إلى أن يراجع التاريخُ مسيرتها

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

منفذ جديدة يابوس يسجل عبور أكثر من مليوني مسافر و31 ألف شاحنة تجارية خلال ثمانية أشهر

  سجّل منفذ جديدة يابوس الحدودي مع لبنان حركةً نشطةً ومتناميةً في عبور المسافرين والشاحنات التجارية خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، في ظل ...