إعداد: محمد صلاح الدين أبوعيسى
باحث في اقتصاديات التنمية | معماري المعرفة والتعلّم
التنظيمي
لا تمثل إعادة الأطفال إلى المدارس في مرحلة ما بعد التحرير نهاية عملية التعافي التعليمي، بل بداية لمسار أوسع يتعلق بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية ورأس المال البشري داخل المجتمعات المتأثرة بالنزوح والعودة. ومع تداخل العائدين والنازحين والسكان المقيمين، تبرز المدرسة بوصفها واحدة من أهم المساحات القادرة على تحويل التعايش المكاني إلى اندماج اجتماعي فعلي.
في هذا السياق، أطرح نموذج «جسر – JISR» بوصفه إطارًا تطبيقيًا لإعادة الاندماج التعليمي والاجتماعي للأطفال العائدين والنازحين داخل البيئة المدرسية المحلية. يقوم النموذج على أربعة مسارات مترابطة: تشخيص الفجوات التعليمية والاجتماعية، ومعالجة الفاقد التعليمي، وبناء مجموعات تعلّم مشتركة متعددة الخلفيات، وقياس تطور الاندماج بصورة دورية.
ولقياس أثر هذه العملية، أقترح مؤشر جسر للاندماج التعليمي والاجتماعي (JISI)، وهو مؤشر مركب يركز على أربعة أبعاد: الاستمرارية التعليمية، والتحصيل والتعلّم، والانتماء والرفاه، والتفاعل الاجتماعي.
بهذا الانتقال، يصبح نجاح الدمج أوسع من مجرد تسجيل الطفل في المدرسة أو انتظام حضوره، ليشمل قدرته على التعلّم، والشعور بالانتماء، وبناء علاقات إيجابية مع أقرانه. ويقدم النموذج إطارًا قابلًا للاختبار والتطوير ميدانيًا، بما يسمح بتحويله لاحقًا إلى أداة تدخل وقياس يمكن للمؤسسات التعليمية والجهات العاملة في التعافي المجتمعي الاستفادة منها.
الكلمات المفتاحية: التعليم، العائدون، النازحون، الاندماج الاجتماعي، التماسك الاجتماعي، رأس المال البشري، JISR، JISI.
1. المشكلة: من العودة إلى الاندماج
لا تعني عودة الطفل إلى المدرسة بالضرورة عودته إلى الحياة التعليمية والاجتماعية بصورة متكاملة. فقد يعود الطفل وهو يحمل فجوة تعليمية تراكمت خلال سنوات الانقطاع، أو يواجه صعوبة في إعادة بناء علاقاته مع زملائه. وفي المقابل، قد يكون الطفل النازح قد أمضى سنوات طويلة داخل المجتمع المضيف، وأصبح جزءًا من بيئته الاجتماعية والتعليمية.
لذلك، فإن التعامل مع هذه الفئات بوصفها مجموعات منفصلة قد لا يكون كافيًا لبناء بيئة مدرسية متماسكة.
تتمثل المسألة الأساسية هنا في الانتقال من الدمج المدرسي العددي إلى الاندماج التعليمي والاجتماعي القابل للقياس.
فالسؤال لم يعد: كم طفلًا عاد إلى المدرسة؟ بل أصبح: ماذا حدث بعد العودة؟ وهل أصبح الطفل قادرًا على التعلّم والمشاركة والشعور بالانتماء؟
2. نموذج جسر (JISR)
ينطلق نموذج JISR من فكرة أساسية مفادها أن المدرسة في مرحلة ما بعد التحرير لا ينبغي أن تؤدي وظيفة استعادة التعليم فقط، وإنما يمكن أن تتحول إلى مساحة لإعادة بناء العلاقات والثقة ورأس المال الاجتماعي.
ويتحرك النموذج عبر دورة تطبيقية متكاملة تبدأ بالتشخيص. في هذه المرحلة، يتم تحديد المستوى التعليمي للطفل، والفجوات المعرفية الأساسية، إلى جانب مؤشرات أولية تتعلق بالانتماء والرفاه والتفاعل الاجتماعي.
بعد ذلك تأتي مرحلة المعالجة التعليمية من خلال تدخلات تستهدف الفاقد التعليمي وفق احتياجات كل مجموعة أو طالب، بدل اعتماد تدخل موحد لجميع الأطفال.
لكن معالجة الفجوة التعليمية وحدها لا تكفي. لذلك، يتضمن النموذج إنشاء مجموعات تعلّم مشتركة متعددة الخلفيات، تضم أطفالًا من العائدين والنازحين والسكان المقيمين، وتعمل على أنشطة ومشروعات مشتركة علمية أو ثقافية أو رياضية أو مجتمعية.
الفكرة هنا أن يصبح التعاون نفسه أداة للتعلّم والاندماج؛ فالطفل لا يتلقى خطابًا عن التعايش، بل يمارسه من خلال تجربة تعليمية مشتركة.
وفي نهاية كل دورة تدخل، تتم إعادة القياس باستخدام مؤشرات النموذج، بهدف تحديد مستوى التغير، ورصد الفجوات المتبقية، وتصميم الدورة التالية من التدخل.
وبذلك يتحول JISR من نشاط منفصل إلى دورة تعلّم وقياس وتحسين مستمر.
3. مؤشر جسر للاندماج التعليمي والاجتماعي (JISI)
لتجنب اختزال نجاح الدمج في مؤشرات الحضور والتسجيل، أقترح ضمن النموذج مؤشر جسر للاندماج التعليمي والاجتماعي (JISI).
يقيس المؤشر أربعة أبعاد رئيسية:
أولًا: التعليم والاستمرارية
ويشمل الحضور المنتظم، والاستمرارية في التعليم، ومؤشرات خطر التسرب.
ثانيًا: التعلّم والتحصيل
ويركز على التحسن في التحصيل ومعالجة الفاقد التعليمي مقارنة بخط الأساس.
ثالثًا: الانتماء والرفاه
ويتناول شعور الطفل بالأمان، والانتماء إلى المدرسة، والقدرة على المشاركة في البيئة التعليمية بصورة إيجابية.
رابعًا: التفاعل الاجتماعي
ويقيس مستوى التعاون والمشاركة وبناء العلاقات مع الطلاب من خلفيات اجتماعية وتجارب نزوح مختلفة.
ويُقاس المؤشر قبل التدخل وبعده، بما يسمح برصد التغير في مستوى الاندماج بدل الاكتفاء بوصف الوضع القائم.
ولا أتعامل مع JISI بوصفه مقياسًا نهائيًا مكتملًا، بل كنواة قابلة للاختبار والتطوير من خلال الدراسات الميدانية، والتحقق من صدقه وثباته إحصائيًا، وتحديد الأوزان الأكثر ملاءمة لأبعاده وفق السياق المحلي.
4. القيمة التطبيقية للنموذج
تكمن القيمة الأساسية لـJISR في أنه يجمع داخل إطار واحد بين التعلّم، والاندماج، والقياس.
فبدل تنفيذ برامج تعويضية للفاقد التعليمي بمعزل عن الواقع الاجتماعي للطفل، أو تنفيذ أنشطة تماسك اجتماعي منفصلة عن العملية التعليمية، يربط النموذج المسارين ضمن تدخل واحد يمكن قياس نتائجه.
كما يمكن اختبار النموذج من خلال تصميم دراسة شبه تجريبية تقارن بين مدارس تطبق JISR ومدارس مماثلة لا تطبقه، مع قياس التغير في التحصيل والاستمرارية والانتماء والتفاعل الاجتماعي.
وفي حال أثبتت النتائج فاعلية النموذج، يمكن تطويره إلى أداة تشغيلية قابلة للتوسع تستخدمها المدارس والمنظمات التعليمية والجهات العاملة في التعافي وإعادة بناء المجتمعات.
الخاتمة
أتعامل مع مرحلة ما بعد التحرير بوصفها فرصة لإعادة التفكير في وظيفة المدرسة، لا باعتبارها مكانًا لاستعادة التعليم فحسب، وإنما باعتبارها مساحة لإعادة بناء الإنسان والعلاقات والثقة.
فالاندماج الحقيقي لا يبدأ عندما يجلس الأطفال في الصف نفسه، بل عندما يتعلمون معًا، ويتعاونون معًا، ويشعرون بأنهم ينتمون إلى المكان نفسه.
ومن هنا يأتي نموذج «جسر – JISR» كإطار ينتقل من استعادة التعليم إلى إعادة بناء الإنسان، ومن التعايش المكاني إلى الاندماج الاجتماعي، ومن التدخل التقليدي إلى التدخل القابل للقياس والتعلّم والتحسين المستمر.
محمد صلاح الدين أبوعيسى
باحث في اقتصاديات التنمية
معماري المعرفة والتعلّم التنظيمي | Organizational Knowledge & Learning Architect
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

