يحيى شمص
إقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتراجع قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل في الكونغرس مقارنة بما كانت عليه قبل نحو 20 عاماً، فتح النقاش حيال طبيعة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية ومدى صلابتها، لا سيما أنه يأتي في توقيت حساس تشهد فيه المنطقة تداعيات العمليات العسكرية في غزة ولبنان والحرب مع إيران، وفي ظل تحولات سياسية دقيقة داخل الشارع الأميركي.
وتكتسب ملاحظة ترامب أهمية أكبر في ضوء التحول الذي بات قابلاً للقياس في الرأي العام الأميركي. ففي نيسان/أبريل 2026، أظهر استطلاع لمركز “بيو” أن 60% من الأميركيين باتوا ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، مقارنة بـ53% في 2025 و42% في 2022. لكن هذا التحول الشعبي يطرح سؤالاً أبعد: هل بدأ ينعكس فعلاً على نفوذ إسرائيل داخل مراكز القرار في واشنطن، أم أن التحالف المؤسسي والسياسي لا يزال أكثر صلابة من المزاج الشعبي؟
انقسام حزبي يهدد الإجماع التقليدي
وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشأن الأميركي الإسرائيلي حسين الديك، في حديث لـ “النهار”، أن تصريح ترامب لم يأتِ من فراغ، إذ يعكس تحولات متزايدة داخل المجتمع الأميركي ومراكز صنع القرار، وفي مقدمتها الكونغرس.
ويشير الديك إلى أن هذا التصريح من رأس الهرم السياسي الأميركي يدق ناقوس الخطر في إسرائيل، خصوصاً أنه يصدر عن رئيس يُعد من أبرز داعميها في واشنطن.
ويوضح الديك أن الشارع الأميركي يتميز بالديناميكية، وأن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات جذرية خاصة لدى الشباب والطبقة الوسطى والنساء. وقد ساهم نقل مشاهد جرائم الحرب في غزة ولبنان عبر وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات في إضعاف قدرة الإعلام التقليدي على احتكار الرواية، وإتاحة مساحة أوسع أمام روايات وصور ميدانية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في التغطية الأميركية.
وتدعم الأرقام هذا التحول. فبحسب “بيو”، وصلت النظرة السلبية إلى إسرائيل في آذار/مارس الماضي إلى 80% لدى الديموقراطيين والمستقلين المائلين إليهم، فيما بات 57% من الجمهوريين دون سن الخمسين ينظرون إليها بصورة سلبية أيضاً، في مؤشر إلى أن التحول لم يعد محصوراً باليسار الأميركي.
ويضيف الديك أن العلاقة الأميركية – الإسرائيلية كانت توصَف تاريخياً بأنها علاقة “فوق حزبية”، حيث يختلف الحزبان الديموقراطي والجمهوري في الملفات الداخلية، ويتفقان إلى حد كبير على دعم إسرائيل. أما اليوم فتبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ يشهد الحزب الديموقراطي صعوداً للتيار التقدمي الذي يرفض سياسات إسرائيل، فيما لا يزال الدعم لإسرائيل قوياً داخل الحزب الجمهوري، لكنه يواجه في الوقت نفسه بروز تيار “أميركا أولاً” الذي يتحفظ على الانخراط الخارجي ويطالب بتقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الداخل.
والفارق داخل الجمهوريين مهم: ففيما لا يزال 58% منهم ينظرون إلى إسرائيل بإيجابية، تنقلب الصورة بين من تراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً، إذ يحمل 57% منهم نظرة سلبية إليها.
ويلفت الديك إلى أن التراجع الأهم في صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة تجلى في ملفي غزة ولبنان اللذين “أسقطا الرواية الإسرائيلية أمام الشارع الأميركي”.
الرأي العام يتغير… وماذا عن القرار؟
غير أن خسارة التأييد الشعبي لا تعني بالضرورة تراجعاً موازياً في النفوذ السياسي. فالعلاقة الأمنية والعسكرية بين واشنطن وتل أبيب لا تزال عميقة، كما أن التأييد لإسرائيل يبقى أقوى داخل الحزب الجمهوري، ولا سيما بين الفئات الأكبر سناً. ومن هنا يصبح الفارق أساسياً بين تراجع صورة إسرائيل لدى الناخب الأميركي وبين قدرتها على التأثير في السياسات التي تُصنع في واشنطن.
لكن أحدث المؤشرات تظهر أن الفجوة الجيلية تتسع. ففي استطلاع آخر لـ”بيو” نُشر في تموز/يوليو، قال 58% من الأميركيين بين 18 و29 عاماً إنهم ينظرون بإيجابية إلى الشعب الفلسطيني، مقابل 32% فقط ينظرون بإيجابية إلى الإسرائيليين، فيما هبطت النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية لدى هذه الفئة إلى 18%.
وعلى مستوى الحزبين، بقي 65% من الجمهوريين والمستقلين المائلين إليهم ينظرون بإيجابية إلى الإسرائيليين، مقابل 43% لدى الديموقراطيين، فيما تراجعت النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية إلى 51% لدى الجمهوريين و16% فقط لدى الديموقراطيين. وهي أرقام تظهر أن الانقسام الحزبي لا يزال كبيراً، حتى مع تراجع صورة إسرائيل في الحزبين خلال السنوات الأخيرة.
أزمة الصورة تضغط على النفوذ السياسي
من جهتها، ترى الخبيرة في الشأن الإسرائيلي رانيا فوزي، في حديث لـ”النهار”، أن نفوذ إسرائيل بدأ بالتراجع الفعلي داخل الولايات المتحدة مع ارتفاع أصوات تيار “أميركا أولاً”.
وتوضح أن هذا التراجع “لوحظ جلياً عقب أحداث السابع من أكتوبر وتداعيات الحرب على غزة، والتي أضرت بصورة واشنطن بسبب دعمها المفرط وتزويدها لإسرائيل بالسلاح”.
وتضيف فوزي أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل على التأثير في النقاش السياسي الأميركي تواجه تحديات أكبر من السابق، لمصلحة ظهور أصوات وتيارات تضع المصالح الوطنية فوق أي اعتبار، مع تتالي الأصوات المنتقدة للتورط الأميركي في صراعات المنطقة.
وتشير إلى أن استطلاعات الرأي تعكس تحولات متزايدة لدى القاعدة الشعبية، لا سيما أوساط الحزب الديموقراطي التي تفضل اتباع سياسات تحافظ على مكانة الولايات المتحدة وصورتها بدلاً من الانجرار خلف الحروب المفتوحة.
وتربط فوزي هذا التحول أيضاً بتصاعد الدعوات داخل الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب الأولويات الخارجية، في ظل الأعباء الاقتصادية والمنافسة الجيوسياسية مع الصين، بما يجعل كلفة الانخراط العسكري والسياسي في الخارج جزءاً متزايداً من النقاش الداخلي الأميركي.
وبذلك، لا يبدو أن إسرائيل فقدت نفوذها في واشنطن، بقدر ما فقدت جزءاً من الإجماع الذي كان يحيط بهذا النفوذ. فالتغيير الأكثر وضوحاً حتى الآن يحدث في الرأي العام، وخصوصاً بين الشباب والديموقراطيين وشريحة متنامية من الجمهوريين الأصغر سناً. أما انتقال هذا التحول إلى السياسة الأميركية نفسها، فيبقى أبطأ وأكثر تعقيداً، وهو ما يجعل تصريح ترامب أقرب إلى رصد اتجاه متنامٍ منه إلى إعلان نهاية حقبة كاملة.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

