بقلم: علي نفنوف – دبي
منذ أن وعى الإنسان معنى الانتماء، وعرف سرَّ وجوده، ظلَّ الأب واحداً من أكثر الرموز الإنسانية حضوراً وغموضاً. فالإنسان لا يولد من رحم الأم وحده، بل يولد أيضاً من ظل أبيه وسرِّه، ومن هيبته، ومن خوفه الصامت، ومن تعبه الذي لا يشتكي، ومن يديه اللتين تبنيان العالم بصمت ثم تنسحبان إلى الخلف، تاركتين الأبناء يظنون أنهم كبروا وحدهم.
ولعل الأبوة ليست مجرد رابطة دم، وإنما هي صورة من صور التضحية التي اختارتها الطبيعة كي يستمر العالم. فالأب الحقيقي لا يعيش عمره مرة واحدة، بل يعيش عمره مرتين: مرة في نفسه، ومرة في أولاده.
ولذلك كانت صورة الأب من أكثر الصور حضوراً في الأديان والآداب والفلسفات والأساطير الكبرى، لأنها تمثل أحد الأركان التي استندت إليها الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ.
الأب… الحكاية الأولى للإنسان
حين يحتفل العالم بعيد الأب، فإنه لا يحتفل بمناسبة اجتماعية عابرة، بل يحتفل بصورة الإنسان الذي وقف بين أبنائه والريح، وحمل عنهم الخوف والجوع والتعب، وغالباً ما أخفى دمعته ليمنحهم الطمأنينة والحب والأمان.
لكن ما هو عيد الأب تاريخياً؟ وكيف ظهر للمرة الأولى؟
عيد الأب مناسبة عالمية لتكريم الآباء وتقدير دورهم في الأسرة والمجتمع. ويختلف تاريخ الاحتفال به من دولة إلى أخرى، إلا أن معظم الدول تحتفل به في الأحد الثالث من شهر يونيو.
وقد ظهر أول احتفال منظم بعيد الأب في الولايات المتحدة عام 1910، وترتبط نشأته بالسيدة سونورا سمارت دود، التي أرادت تكريم والدها، المحارب السابق ويليام جاكسون سمارت. فبعد وفاة والدتها أثناء الولادة، تولى الأب تربية أبنائه الستة وحده، وكانت قصته الشرارة التي أدت إلى ظهور هذا العيد.
وفي عام 1972 أصبح عيد الأب مناسبة وطنية رسمية في الولايات المتحدة الأمريكية.
الأب عبر الثقافات الإنسانية
تتجلى الأبوة في أبهى صورها في قصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وهي قصة لا تتحدث عن الطاعة بقدر ما تتحدث عن الثقة والمحبة والحوار. فقد خاطب إبراهيم ابنه بقوله:
“يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى”
إنها لغة أب لم يلجأ إلى الأمر، وإنما إلى المشاركة في عمق الوعي والإيمان، فلم يفرض رأيه، بل استشار ابنه. فجاء جواب إسماعيل:
“يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ”.
وفي هذا المشهد تتجسد واحدة من أسمى صور التفاهم بين الأب وابنه، حتى غدت هذه القصة رمزاً خالداً للتسليم والمحبة واليقين.
وفي قصة النبي يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام، تظهر الأبوة في صورتها الأكثر إنسانية، حيث يمتزج الحب بالخوف، والشوق بالحزن. فقد قال يعقوب لابنه:
“يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا”
وحين غاب يوسف، ظل الأب أسيراً لذلك الحنين الطويل حتى قال:
“يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُف”
ثم وصف القرآن الكريم حاله بقوله:
“وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ”
ولعلها من أبلغ الصور التي رسمت وجع الأب وفجيعته وحرقة قلبه على ولده.
أما في الملحمة الإغريقية الخالدة «الأوديسة»، فإن هوميروس لا يقدم الأب بوصفه ملكاً أو بطلاً حربياً، بل يقدمه باعتباره الجذر الذي يمنح الابن هويته. فقد عاد أوديسيوس بعد عشرين عاماً من الغياب، ليجد ابنه تيليماخوس يبحث عن أبيه أكثر مما يبحث عن ملك أبيه.
وهكذا يصبح الأب في «الأوديسة» معنى للانتماء، وذاكرةً لا يكتمل الإنسان إلا بها.
وفي التراث الإسلامي، ترك الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، أجمل ما قيل في الأبوة والتربية، فقال:
“خير ما ورّث الآباء الأبناء الأدب.”
وقال أيضاً:
“الأدب خير ميراث.”
ومن أعظم ما جاء في وصيته إلى ابنه الحسن:
“وجدتك بعضي، بل وجدتك كلي، حتى كأن شيئاً لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني.”
وهي عبارة تكاد تختصر معنى الأبوة كله، إذ يرى الأب أبناءه امتداداً لروحه، وليس فقط امتداداً لدمه.
وفي الإنجيل وردت الوصية الشهيرة:
“أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض.”
وجاء في رسالة بولس إلى أهل أفسس:
«وأنتم أيها الآباء، لا تغيظوا أولادكم، بل ربّوهم بتأديب الرب وإنذاره.»
وفي سفر الأمثال:
«الابن الحكيم يسر أباه.»
أما في مثل الابن الضال، فقد قُدمت واحدة من أجمل صور الرحمة الأبوية، إذ جاء فيه:
«فركض الأب ووقع على عنقه وقبّله.»
وكأن الأب في الفكر المسيحي ليس رمزاً للسلطة، بل رمزاً للمغفرة والمحبة التي لا تنقطع.
وعند الفلاسفة، كانت الأسرة أساس العمران الإنساني، وكان الأب أحد أركانها. فقد قال كونفوشيوس:
«بر الوالدين أساس الفضيلة.»
وقال أيضاً:
«قوة الأمة تنبع من سلامة الأسرة.»
أما أرسطو فقال:
«الذين يربون الأطفال يستحقون من الشرف أكثر ممن أنجبوهم؛ لأن هؤلاء أعطوا الحياة، وأولئك أعطوا فن الحياة.»
وفي كتاب «إميل أو في التربية» قال جان جاك روسو:
«الطبيعة تريد أن يكون الأطفال أطفالاً قبل أن يصبحوا رجالاً.»
بينما رأى نيتشه أن الإنسان يجد امتداده الحقيقي في أبنائه، فقال:
«في ابنك يجب أن تحب نفسك وقد أصبحت أكثر كمالاً.»
وقال أيضاً:
«ما لم تستطع تحقيقه بنفسك، ربما يحققه ابنك.»
أما الأدباء، فقد رأوا في الأب معنى يتجاوز حدود القرابة.
فكتب جبران خليل جبران في كتاب «النبي»:
«أولادكم ليسوا لكم. أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها. بكم يأتون إلى العالم، ولكن ليس منكم.»
وقال:
«يمكنكم أن تعطوهم محبتكم، ولكن لا تعطوهم أفكاركم، لأن لهم أفكارهم الخاصة.»
وقال فيكتور هوغو:
«حين يصبح الرجل أباً، يبدأ قلبه بالخفقان خارج جسده.»
وقال وليم شكسبير:
«إن الأب الحكيم يعرف ابنه.»
وقال أيضاً:
«من الحكمة أن يكون الأب بخيلاً في الثناء.»
أما الأمثال الإنسانية، فقد اختزلت تجربة القرون كلها في عبارات قصيرة. فقال المثل العربي:
«الأب كنز، والأخ سلوى، والصديق كلا الاثنين.»
وقال المثل الإنجليزي:
«أب واحد خير من مئة معلم.»
وقال المثل الألماني:
«الأب الصالح أفضل من مئة معلم.»
وأنا أكتب هذه السطور، لا أستطيع أن أكتب عن الأب باعتباره فكرة مجردة، لأنني فقدت أبي، وفقدت معه شيئاً لا أعرف له اسماً.
لقد شعرت يوم رحيله أن أركان الكون قد اهتزت، وأن العالم الذي كنت أعرفه قد تصدع من الداخل. كنت أظن أن أبي ذلك الجبل الذي لا يتعب، ولا يشيخ، ولا يرحل. كنت أراه ثابتاً كالأرض، عالياً كالنخيل، مطمئناً كسماء بعيدة، حتى جاء اليوم الذي انهار فيه ذلك الجبل، فانهار شيء عميق في داخلي معه.
لم يكن رحيل أبي مجرد فقدان لشخص عزيز، بل كان انكساراً داخلياً، ووحشةً روحية، وغربةً طويلة عشتها مع نفسي، كأنني صرت غريباً حتى عن الأشياء التي أحببتها يوماً.
ولفترة من الزمن، شعرت أنني فقدت القدرة على الاستمرار، وأن شيئاً من روحي قد مضى معه إلى الأبد.
لكنني، بعد سنوات من التيه الداخلي، اكتشفت أن بعض الجراح لا تلتئم، بل تتحول إلى نور خافت يسكن القلب.
وربما وجدت شيئاً من أبي في أبنائي.
وربما رممت تلك الغربة القديمة بالحب الذي منحته لهم، وبالحنان الذي حاولت أن أزرعه في أرواحهم.
وحين صرت أباً، أدركت أنني لم أفقد والدي تماماً، بل إن جزءاً منه ما زال يعيش فيَّ، وأن كل لمسة حنان أهبها لأبنائي، وكل خوف أخافه عليهم، وكل دعاء أهمس به من أجلهم، ليس إلا استمراراً لذلك الوفاء القديم الذي أحمله لذلك الرجل العظيم الذي علمني بصمته أكثر مما علمني بكلامه.
ولعل أجمل ما أفعله اليوم، وأنا أرى أبنائي يكبرون أمام عيني، أنني أحاول، قدر استطاعتي، أن أكون لهم بعضاً مما كانه أبي لي.
وذلك، في ظني، هو الوفاء الأجمل للأبوة.
خاتمة
في عيد الأب، لا نحتفي بشخص واحد فحسب بل نحتفي بقيمة عظيمة اسمها الأبوة؛ تلك الرسالة الصامتة التي تحمل أعباء الحياة، وتزرع الأمل، وتصنع الأجيال.
حفظ الله آباءكم وأبناءكم، وأدام عليكم نعمة المحبة والتآلف، وكل عام وأنتم بخير


(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

