في إطار الفعاليات الثقافية والفنية التي يقيمها مقهى تقاسيم الثقافي في مدينة طرطوس ، أُقيم أول أمس السبت ندوة أدبية حول رواية “الدوار الجنوبي” للكاتب مفيد عيسى أحمد، والصادرة عام 2025 عن دار أوكسيجين في أونتاريو – كندا، وتقع في 240 صفحة، وتدور أحداثها في مدينة دمشق خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وشهدت الندوة ثلاث مداخلات نقدية مكتوبة، قدمتها كل من الشاعرة والمترجمة لبانة الجندي، والقاص والمترجم مالك صقور، والناقد أحمد عزيز الحسين، فيما أدار الندوة أحمد محمد، الذي استهل اللقاء بكلمة ترحيبية بالحضور، وتعريف مقتضب بالمشاركين.
*قراءات في الشخصيات النسائية
استهلت الشاعرة والمترجمة لبانة الجندي المداخلات بقراءة مقتضبة للرواية، توقفت خلالها عند عدد من النماذج النسائية التي قدمها الكاتب.
وأشارت الجندي إلى شخصية “الجوجانية” ، بوصفها نموذجاً للمرأة القوية التي تسيطر على سوق التهريب، قبل أن تتحول إلى شخصية مرتبطة بعالم رجال “المعلم”، وتفتتح بيتاً للدعارة. كما توقفت عند نموذج الفتاة الريفية التي أرسلها والدها إلى “المعلم” على أمل أن يساعدها في العثور على عمل، إلا أنه يستغلها ثم يتخلى عنها.
ورأت الجندي أن الرواية تفتقر إلى نموذج نسائي إيجابي ومتكامل، على غرار شخصية المهندس حسن، بما يحقق، بحسب قراءتها، مزيداً من التنوع في تمثيل الشخصيات النسائية داخل العمل.
*الرواية بوصفها شهادة على مرحلة من تاريخ سوريا
من جهته، قدم القاص والمترجم مالك صقور مداخلة نقدية مطولة، استعرض فيها شخصيات الرواية وأحداثها من منظور تحليلي، مستهلاً حديثه بمقولة منسوبة إلى الفيلسوف كارل ماركس: “إذا أردت أن تعرف تاريخ بلد ما فاقرأ أدبه، ولا تقرأ تاريخه الرسمي”.
وانطلق صقور من هذه المقولة ليؤكد أن رواية الدوار الجنوبي يمكن قراءتها بوصفها شهادة أدبية على مرحلة مهمة من تاريخ سوريا الحديث، هي ثمانينيات القرن الماضي، بما شهدته تلك المرحلة من تناقضات وصراعات، ولا سيما مع صعود سرايا الدفاع وانهيارها السريع.
وأشار إلى أن الكاتب اعتمد تقنية الراوي العليم، الذي يمتلك معرفة واسعة بالشخصيات والأحداث، لينتقل بالقارئ من مشهد إلى آخر برشاقة، وبلغة وصفها بأنها آسرة وبليغة، قادرة على شد القارئ ومتابعته للأحداث حتى النهاية.
*المكان بوصفه دالاً على السلطة والهامش
وتوقف صقور عند دلالة المكان في الرواية، مشيراً إلى قصر “المعلم” في حي المزة، بوصفه رمزاً للسلطة والنفوذ والثراء الفاحش والسريع، في مقابل أحياء القابون والدويلعة والطبالة، حيث يعيش رجال “المعلم”.
ورأى أن هذه الأحياء، التي يجمعها خط باص “الدوار الجنوبي”،تقدم فضاءً شعبياً عشوائياً يسكنه نازحون ومهمشون قدموا من أرياف بعيدة، بما يعكس التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي ترصده الرواية.
كما أشار إلى بستان العجوزين الفلسطينيين الذي كان رجال “المعلم” يعبرونه يومياً، معتبراً إياه رمزاً للوطن السليب، فلسطين. فهذا البستان، بحسب قراءته، كان يذكّر رجال “المعلم” بقراهم البعيدة وأهلهم، الأمر الذي أتاح نشوء علاقة إنسانية بينهم وبين العجوزين، كتعويض عن علاقتهم بأهلهم وذويهم، وفي الوقت نفسه كتعويض للعجوزين عن أبنائهما الذين انقطعت زياراتهم عنهما.
*شخصيات متعددة وشبكة من العلاقات الاجتماعية
وتناول صقور النماذج البشرية التي تزخر بها الرواية، مبيناً تنوعها وشمولها فئات اجتماعية مختلفة، من عسكريين ونازحين وتجار وطلاب جامعيين وغيرهم.
كما أشار إلى العلاقة التي نشأت بين الضباط المتنفذين وتجار دمشق، متوقفاً عند شخصية الطالب رامي، الذي عمل في سوق الحميدية لدى أحد التجار، قبل أن تتطور علاقتهما، وصولاً إلى تسليمه إدارة مصنع مشترك مع “المعلم”.
وفي ختام مداخلته، خلص صقور إلى أن الرواية تقدم، في قراءته، خلاصة فكرية وإنسانية واجتماعية وسياسية تتجاوز مجرد سرد الأحداث، لتصل إلى تفكيك آليات السلطة وآثارها في المجتمع.
ومن أبرز الأفكار التي يمكن للقارئ، وفق هذه القراءة، استنتاجها من الرواية:
وهم الأبدية وهشاشة الطغيان: إذ تطرح الرواية فكرة أن السلطة المطلقة وتأليه الفرد والديكتاتور بنية واهية ومهددة بالزوال، مهما بلغت من القوة والعنفوان.
الاستبداد والفساد لا يصنعان وطناً مستقراً: بل يقودان إلى حالة مؤقتة من السطوة، تترك وراءها دماراً وخراباً اجتماعياً وإنسانياً كبيراً.
السلطة الاستبدادية تشوّه من يقترب منها: فهي، بحسب القراءة المقدمة، قد تحول الطيبة إلى عنف وقسوة، كما في شخصية عساف، وتحول النخب إلى أدوات مترددة ومنافقة، كما في شخصية حسن.
*”تسريد السلطة”في الرواية
أما الناقد الأدبي أحمد عزيز الحسين، فقدم مداخلة نقدية حملت عنوان “تسريد السلطة في رواية الدوار الجنوبي”، تناول فيها الطريقة التي تحولت بها السلطة من مضمون سياسي واجتماعي إلى عنصر فاعل في البناء الفني للرواية.
واستهل الحسين مداخلته بالقول:
يمكن النّظر إلى الشّكل الفنّيّ في رواية “الدّوار الجنوبيّ” بوصفه حاصل تفاعل بين رؤية الكاتب الجماليّة للسُّلطة وآليّة تحويلها إلى نصّ سرديّ؛ إذ إنّ الرؤية الجماليّة لا تتجلّى في النّصّ بعد التّسريد، وإنّما تتداخل معه منذ البداية؛ وتحدِّد الطّريقة التي ينظر بها الكاتب إلى السّلطة، ما يُفضِي إلى أنّ السُّلطة تفقد طبيعتها بوصفها مضموناً خارجيّاً، وتتحوّل إلى مبدأ من مبادئ التّنظيم الجماليّ للنّصّ.
وأوضح الحسين أن السلطة تتجسد في الرواية من خلال الشخصيات التي تمارسها، وشبكة العلاقات التي تنشأ حولها، والأفعال التي تنتج عنها، لتتحول إلى قوة درامية تسهم في صياغة الأحداث. وبذلك، لا يعود بناء الشخصية مختزلاً في خصائصها الفردية فحسب، بل يتحدد أيضاً بموقعها داخل شبكة القوة والهيمنة.
وأشار الناقد إلى أن علاقة الناس بالسلطة لا تقتصر على الإكراه والقهر، وإنما تقوم كذلك على وهم الخلاص الذي يمكن أن تزرعه السلطة لدى فئات مختلفة من المجتمع.
وضرب مثالاً على ذلك بشخصية الفتاة القروية التي سعت بإرادتها إلى الاقتراب من عالم السلطة، مدفوعة بوهم أن السلطة يمكن أن تكون الطريق الأسرع والأضمن إلى السعادة، قبل أن تصطدم بالنتيجة المفجعة، عندما يتزوجها “المعلم” لليلة واحدة ثم يتخلى عنها، محطماً كينونتها وذاتها.
*حوار مفتوح مع الكاتب والحضور
وعقب المداخلات النقدية، فُتح باب الحوار والنقاش مع الحضور، حيث رد الكاتب مفيد عيسى أحمد على مجموعة من التساؤلات والقراءات التي طرحها المشاركون حول الرواية وشخصياتها وأحداثها.
وشارك في الحوار كل من علم عبد اللطيف، محمد سلوم، والشاعر كاظم أحمد، والدكتور أحمد علي، ومحمد إسماعيل، إلى جانب عدد من الحاضرين.
وتناولت المداخلات جوانب مختلفة من الرواية، فيما غلب على النقاش الطابع الإيجابي، مع إشادات بالرواية وتجربة الكاتب، ليختتم اللقاء في أجواء ثقافية وفكرية عكست الاهتمام بالأدب السوري ودوره في قراءة الذاكرة الاجتماعية والسياسية للبلد

(أخبار سوريا الوطن-تقاسيم)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
