بقلم :جمعان علي العمير
الدولة الحالية جاءت لتقف فوق إرثٍ بالغ الثقل، إرثٍ تركه النظام البائد الذي لم يكتفِ بإضعاف مؤسسات الدولة بل عمل لسنوات طويلة على تفريغها من مضمونها وتحويلها إلى أدوات تخدم مصالح ضيقة وشبكات فساد مترابطة، فقد ورثت الدولة اقتصاداً يعاني المرض العضال، واقتصاداً متهالكاً لم يكن مجرد ضعيف بل كان نظاماً اقتصادياً ساقطاً إلى قعر المستنقع بعد أن تعرّض لعمليات تخريب ممنهجة، حيث استخدم النظام البائد أذرعه الأمنية والمالية والإدارية لضرب أي محاولة لبناء اقتصاد وطني حقيقي، وفتح الأبواب أمام شبكات الاحتكار والتهريب والسمسرة التي كانت تستنزف موارد البلاد وتحوّلها إلى جيوب أفراد، بينما تُترك المؤسسات العامة لتنهار ببطء، وتُترك البنية الاقتصادية بلا حماية ولا رؤية ولا تخطيط، وكل ذلك بهدف ضمان بقاء السلطة القديمة عبر خلق اقتصاد هشّ يعتمد على الولاءات لا على الإنتاج، وعلى الفساد لا على القانون، وعلى الاستفادة الفردية لا على المصلحة العامة. هذا الخراب المتراكم لم يكن مجرد نتيجة طبيعية للظروف، بل كان فعلاً مقصوداً، إذ جرى ضرب القطاعات الحيوية، وإضعاف الرقابة، وتفكيك منظومات العمل، وخلق اقتصاد ظلّ موازٍ يبتلع الاقتصاد الرسمي، حتى أصبحت الدولة عند سقوط النظام البائد أمام واقع اقتصادي أشبه بجسدٍ نُزف حتى آخر قطرة، ومؤسساتٍ أُنهكت حتى فقدت قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. ومع ذلك، ورغم هذا الإرث الثقيل، بدأت الدولة الحالية العمل ضمن ظروف قاسية، تحاول إعادة بناء ما تهدّم، وإحياء المؤسسات التي جرى تفريغها، وترميم الاقتصاد الذي تعرّض للتخريب المتعمد، فهناك جهود واضحة لإعادة تفعيل الخدمات الأساسية، وضبط الفساد، وإعادة تنظيم القطاعات، وفتح قنوات تواصل مع المجتمع، والسعي لتحسين الواقع المعيشي رغم محدودية الموارد، وهذه الخطوات ليست كافية لكنها تؤكد وجود إرادة للعمل، وإصرار على النهوض من تحت الركام. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل السلبيات التي ما زالت قائمة، مثل بطء معالجة الملفات المعيشية، ونقص الكوادر المؤهلة نتيجة سنوات الاستنزاف، ووجود فجوات رقابية، وتفاوت في الأداء بين القطاعات، وضعف في الخطاب الإعلامي، وهذه السلبيات ليست هجوماً على الدولة بل توصيفاً لواقع يحتاج إلى إصلاح عميق، فالإرث الذي خلّفه النظام البائد لا يمكن التخلص منه بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى وقت وصبر وعمل دؤوب. وهنا يأتي دور المجتمع الأهلي الذي يشكّل شريكاً أساسياً في عملية البناء، فهو قادر على تعزيز الإيجابيات من خلال دعم المبادرات الحكومية والمشاركة في حملات التوعية وتقديم مبادرات خدمية وتنموية تخفف الضغط عن الدولة، كما يستطيع المساهمة في معالجة السلبيات عبر رصد الأخطاء بروح التعاون ومحاربة الفساد المجتمعي وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة ونقل نبض الشارع بصدق والمشاركة في الحوار المحلي لإيجاد حلول واقعية. فالدولة اليوم لا تعمل فوق أرضٍ مستوية، بل تنهض من تحت ركامٍ ثقيل خلّفه النظام البائد، والمجتمع ليس متفرجاً بل شريكاً في البناء، والإصلاح الحقيقي يولد حين تتكامل الجهود ويعمل الجميع في الاتجاه ذاته نحو دولة أقوى، واقتصاد أكثر صلابة، ومجتمع قادر على تجاوز الماضي وصناعة مستقبل أفضل.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
