عبد المجيد العرب
تتحول الخيمة في مخيم المحمودلي من حل مؤقت إلى ملاذ أخير، حين تصبح أقل قسوة من فكرة العودة نفسها، بعدما تحولت تلك العودة إلى أمر يكاد يكون مستحيلاً. فعلى الطرف الشمالي لمدينة الطبقة، في الريف الغربي لمحافظة الرقة، غدت الخيام واقعاً يومياً يعيشه أشخاص خسروا بيوتهم وكل ما كان يربطهم بأماكنهم الأولى.
هنا، لا تتحدث العائلات عن العودة باعتبارها أملاً قريباً، إنما سراباً بعيداً ومؤلماً، لأن القرى والبلدات التي خرجوا منها لم يبقَ منها ما يشبهها، ولأن البيوت التي كانت تحفظ تفاصيل حياتهم وذكرياتهم سقطت تحت القصف، ولم تترك خلفها سوى الحنين ووجع الفقد.
لا يروي مخيم المحمودلي حكايته من خلال الخيام وحدها، بل تكشفها أيضاً الأرقام التي تعكس حجم هذا الواقع وثقله. فمنذ إنشائه مطلع عام 2019، بعد نقل العائلات التي كانت تقيم سابقاً في “مخيم الطويحينة” العشوائي على الضفة الشمالية لبحيرة الفرات، بات المخيم يضم أكثر من 4000 نازح، يتوزعون على ما يزيد على 700 عائلة. ولا تعبر هذه الأعداد عن حجم النزوح فقط، إذ تختصر حياة كاملة توقفت عند حدود الخيمة، وأياماً تمضي على وقع الانتظار، فيما تبقى حياة الأسر معلّقة ومؤجلة إلى أجل غير معلوم.
من النزوح إلى الاقتلاع الكامل
لم يكن المخيم وجهة للبحث عن حياة أفضل لهذه العائلات، فقد دفعتها إليه حملات عسكرية عنيفة طالت مناطق متعددة في سوريا، ولا سيما ريفي محافظتي حمص وحماة، فقدت هذه العائلات أرضها، وغادرتها تحت وطأة الخوف، قبل أن تعود لاحقاً لتكتشف أن ما تركته خلفها لم يعد موجوداً.
يقول خليل العموري، في حديثه لصحيفة الثورة السورية، وهو أحد النازحين من ريف حمص الشرقي: “لم تكن خسارتنا مقتصرة على منازلنا، فهي تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير. في قرانا كانت الحياة مكتملة”. ويضيف واصفاً تلك الحياة: “كانت هناك أرض تُزرع، وجيران متآلفون، ومدارس ومواسم، وأيام عادية بدت بسيطة، لكنها اليوم تُستعاد كجزء من حياة انتهت فجأة”.
ويتابع: “لم يكن النزوح خياراً إرادياً، فقد فرضته علينا ضراوة القصف. واليوم تحولت الخيمة من موضع إقامة مؤقتة إلى عنوان دائم قد يستمر لسنوات طويلة. فالوضع المادي يشكل عائقاً كبيراً أمام العودة، إذ فقدنا كل ما نملك، ونحتاج اليوم إلى مبالغ كبيرة لإعادة بناء جزء بسيط من منازلنا”.
يُطرح الحديث عن العودة غالباً بوصفه حلاً طبيعياً ومنتظراً، وكأن المسألة مرتبطة فقط برغبة العائلات في مغادرة الخيام. غير أن الواقع في مخيم المحمودلي أكثر تعقيداً. فكثير من العائلات لا ترفض العودة من حيث المبدأ، لكنها ببساطة لا تجد ما تعود إليه. فالمنازل مدمرة، والقرى خالية أو غير مؤهلة للعيش، فيما يتحول البدء من جديد إلى عبء يفوق قدرة معظم الأسر التي استنزفتها سنوات النزوح والفقر والانتظار.
تقول السيدة أمل محمد، من سكان المخيم والقادمة من ريف حماة: “فقدنا بيوتنا وكل ذكرياتنا هناك. نفكر أحياناً بالعودة، لكن ماذا سنفعل؟ الخيمة هنا تمنحنا شيئاً واحداً: الأمان من العدم. فكيف سنؤمن الماء والكهرباء؟ ومن أين سنأتي بتكاليف المعيشة؟ ومن أين ستبدأ الحياة هناك؟ هل من الجدران التي سقطت أم من القرى الخاوية؟”.
وتضيف: “فكرة العودة لدى كثير من العائلات مؤجلة إلى أجل غير معلوم، ليس بسبب التعلّق بالمخيم، لكن لأن الخيمة، رغم قسوتها، ما تزال أقل قسوة من الرجوع. حتى الآن لم تعد أي عائلة إلى قرانا وبلداتنا، والجميع لا يزال يقيم في المخيم. الحياة هناك شبه معدومة، وتفتقر إلى أدنى مقومات العيش، فضلاً عن أن المنازل سُويت بالأرض خلال سنوات من القصف”.
الجهات الحكومية.. 2027 عام العودة وغياب الخيام
وفي تصريح لصحيفة الثورة السورية، أوضح عدنان سكاف، مدير مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة الرقة، أن المديرية أجرت جولة شاملة على المخيمات العشوائية والنظامية في المحافظة، ترافقت مع دراسة مستعجلة وإحصائية ميدانية، أظهرت أن مخيم المحمودلي يضم نحو 700 عائلة، فيما يقطن في مخيم الطويحينة قرابة 500 عائلة، ويضم مخيم تل السمن نحو 1200 عائلة.
وأشار سكاف إلى أن المديرية تعمل حالياً على تعزيز التعاون مع شركاء دوليين جدد لتقديم الدعم للمخيمات، وذلك بعد توقف عدد من المنظمات العاملة، بما يضمن عدم حدوث أي فراغ في الاستجابة الإنسانية أو أي خلل قد يؤثر على استمرار المساعدات المقدمة للعائلات.
وأكد أن المديرية ستعمل على إعادة النازحين إلى مواطنهم الأصلية أو إلى الأماكن التي يرغبون بالعودة إليها، بعد تذليل العقبات وتأمين المساعدات اللازمة لتسهيل هذه العودة، مع التأكيد على ضرورة توفير ظروف كريمة تضمن عودة طوعية وآمنة، والتطلع إلى أن يكون عام 2027 عاماً خالياً من المخيمات بعد إعادة جميع النازحين.
وأضاف أن المديرية تتجه أيضاً إلى تأمين سكن بديل للعائلات التي لا ترغب في العودة، بما يسهم في إنهاء حالة الخيام والظروف الصعبة التي تعيشها تلك الأسر.
وختم بالإشارة إلى أن المديرية أجرت زيارة ميدانية إلى المنطقة، بهدف الاطلاع على الأوضاع القائمة ولقاء الأهالي، وتحديد الأسباب التي تعيق عودتهم، إضافة إلى حصر الاحتياجات الأساسية للعائلات في الوقت الراهن.
وقد يبدو بقاء العائلات في المخيم وكأنه قبول بالأمر الواقع، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن كثيراً منهم لم يبقوا لأنهم أرادوا ذلك، بل لأن البدائل الأخرى كانت أكثر قسوة أو أقل قابلية للحياة. فمغادرة المخيم تتطلب وجود مكان صالح للعودة أو الاستقرار، وهو ما تفتقده نسبة كبيرة من العائلات حتى اليوم.
ويقول الدكتور عبد الفتاح الحميدي، خبير واستشاري نفسي: “العيش الطويل في المخيم يولد شعوراً عميقاً بالجمود والانتظار، فالحياة هناك تُحدث خللاً جسيماً في نظم العلاقات الاجتماعية، نتيجة غياب المحيط الاجتماعي المعتاد من أهلٍ وعادات ونمط حياة سابق، واقتصار العلاقات على أشخاص جرى التعرف إليهم في ظل هذه الظروف، ولا يجمعهم سوى قاسم مشترك واحد، وهو قسوة الحياة في هذا المكان”.
بين هذه الخيام، يمكن مشاهدة أطفال يمرحون ويلعبون بألعاب صنعوها من مخلفات معدنية، في مخيم لم يعد بالنسبة لهم مكاناً مؤقتاً. فبعضهم وُلد داخله، ومن جاء في سن مبكرة يكاد لا يتذكر ملامح قريته التي غادرها. هؤلاء الأطفال كبروا أمام الخيام، لتختزل الحياة في أذهانهم ضمن حدود المخيم لا أكثر.
ولفت الحميدي إلى أن النساء والأطفال يشكلون الحلقة الأكثر هشاشة داخل المخيم، لما يتعرضون له من آثار نفسية تراكمية، تفضي إلى تشكل أنماط ذهنية مغايرة للواقع، نتيجة ضيق نمط الحياة داخل المخيم والاختلاف الكبير عن البيئة الاجتماعية في المدن والقرى.
المخيم، الذي بات مأوى لسنوات طويلة، لا تتجاوز ظروف الحياة فيه حدود الضرورة. فكل شيء يبدو مؤقتاً رغم مرور الأعوام؛ الخيام المتراصة تلغي الخصوصية، والمساحات الضيقة تفرض على العائلات نمطاً قائماً على التكيف مع تفاصيل العيش اليومي بكل ما تحمله من قسوة.
وفي ختام حديثه، أوضح الحميدي أن برامج الدعم النفسي والاجتماعي المقدمة داخل المخيم، على أهميتها، تبقى استجابة محدودة تخفف جزءاً من المعاناة النفسية التي يعيشها السكان. وأشار إلى أن طبيعة الحياة اليومية، بما تحمله من ضغوط مستمرة وأعباء قاسية، تترك آثاراً نفسية وسلوكية متراكمة، ما يجعل الحديث عن استقرار حقيقي أمراً صعباً في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
