بقلم: د. علاء علي البرهوم
في ملكوت الوجود المطلق..
وبين ترانيم الكون وسننه…
تقف حقيقة واحدة لا تتبدل ولا تزول… ولا تقبل القسمة ولا الشريك.
(الثابت الأوحد الذي لا يتغير هو الله.. والوحيد المنزه عن كل تعدد هو الله)
وما سوى الخالق سبحانه من كائنات وأفكار.. ومناهج ورؤى..
فهو في لجة التغير والتقلب والتعدد…
تلك هي السّنة التي فطر الله عليها الوجود…
وقناعتك أو دعوتك لثبات أو توحيد شيء آخر (ولو كان رأيًا تجاه حدث ما) ما هو إلا نوع من أنواع الشرك… فبذلك قد تكون أشركت مخلوقًا مع الخالق بوحدانيته وثباته، والله أعلم.
فالتنوع ليس عيبًا…
والاختلاف ليس خطيئة…
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفُونَ)
الناس بطبيعتهم فِرَق وأطياف… فهذا مؤيد وذاك معارض… وهذا يرى النور من زاويته وذاك يريه من زاوية أخرى…. وحين ندرك هذه البداهة الكونية… يرتفع عن بصائرنا غشاوة الوهم بأن نسعى لجعل البشر على قلب رجل واحد… أو رأي واحد… أو قناعة واحدة….
لذلك فالدعوة إلى مطابقة الآراء قسرًا هي حرب على الطبيعة البشرية والإنسانية وسنن الوجود….
لكن المأساة والوباء الفكري والأخلاقي يكمن في طريقة إدارة هذا الاختلاف وهذا التعدد…
فقد يتحول التباين في الرأي إلى معاول هدم… وتراشق بالإساءات.. وتخوين وتكفير… ومهاجمة ممنهجة لكرامات الناس…..
وهنا يكمن المحظور الأكبر الذي يقف المرء أمامه مسؤولًا بين يدي الله عز وجل….
ألم يحذرنا الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم بقوله: ((سباب المسلم فسوق… وقتاله كفر))
إن الانحراف لا يكمن في تنوع الأفكار… بل في قسوة الألسنة وفجور الخصومة….
ويبقى المرجع الوحيد هي تعاليم الله وحده…
فحين نزن المختلفات والمتباينة… لن نستقيم على طريق الحق إن لم تكن مرجعيتنا مسطرة الأخلاق السامية التي أسست لها الشرائع السماوية وارتضاها الله لنا.
فالعدل خلق راسخ
والأمانة سياج أمين
والعفو سمو
والصدق منجاة
والنخوة والمروءة عنوان الشهامة
والتواضع والعفة والإحسان مدارك الكمال الإنساني….
فبهذه المعايير الأخلاقية الإنسانية نزن الأفعال والمسارات ونسقط أي فعل على مسطرتها… وذاك موصول بالعرف السائد والمقبول الذي يحفظ للمجتمع توازنه ونسيجه المهدد…. (وهذا ما يحدد مواقفنا من الأحداث والأشخاص والآراء)
ولا بد أن أذكر، على جلالة قدر العفو والتسامح، فإنه يقام في العلاقات الشخصية الفردية… وحين يتصل الأمر بكيان الدولة وهيبة القانون وحماية المجتمع… فإن هنالك موازين أخرى تقوم….
فلا مجال للعفو والتنازل حين تنتهك حقوق العباد بغير حق.
فلا عفو تطبقه الدولة لمن سرق مال شخص ولم يرده (وهو البغي بغير الحق)
ولا عفو لمن قتل النفس التي حرم الله إلا أن يشاء أولياء الدم…
فالعفو حق فردي يملكه صاحبه…
ختامًا أقول لنفسي بدايةً ثم لكل قلب عانى… ولكل عقل يبحث عن بوصلة النجاة في هذا المخاض العظيم بعد التحرير….
إن أرض الشام الطاهرة تمر بمرحلة تاريخية فريدة تتلاطم فيها الآراء حيال كل تفصيلة وجزئية….
دعونا نتقبل التعدد بقلوب واعية… ونتسع لبعضنا بسعة الأخلاق والمروءة… ونكف ألسنتنا عن إساءة الناس وتخوينهم….
فالوطن لا يشيد بأنقاض كرامات الأفراد.
تذكروا جيدًا وسط هذا الصخب: (الثابت الأوحد هو الله… وكل ما عداه قابل للتغير والاختلاف والانقسام)
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

