المهندس نضال رشيد بكور
اليوم، ارتفعت أسعار المحروقات والغاز بنسب وصلت إلى 40%، لتتحول حياة ملايين السوريين إلى معاناة متجددة، وتتفحم آمالهم وخيباتهم مع كل تسعيرة جديدة.
لقد دخلنا مرحلة ما بعد التحرير محمّلين بآمال كبيرة، ننتظر التعافي والشفاء واستعادة شيء من الأمان والاستقرار. لكن الصدمة الاقتصادية التي تلقيناها اليوم جاءت كطعنة في عمق الاستقرار النفسي الذي انتظرناه طويلاً، وكأن المواطن السوري مطالب في كل مرة بأن يدفع من أعصابه وكرامته قبل أن يدفع من جيبه.
كيف لرب أسرة يتقاضى حداً أدنى للأجور يبلغ 12,560 ليرة جديدة أن ينظر في عيون أطفاله، وبينهم الرضّع، وهم يرتجفون من برد الشتاء، من دون أن يشعر بالقهر والعجز؟ وكيف يمكن لإنسان أن يطلب منه الصبر، فيما أساسيات الحياة تبتعد عن متناول يده يوماً بعد آخر؟
لقد أعدتم قتل الشغف والطموح.
فكيف للصناعة والزراعة، المنهكتين أصلاً، أن تلتقطا أنفاسهما وتبدآ رحلة التعافي، في ظل هذه الزيادات المتتالية؟ لقد ارتفع سعر طن الفيول اليوم بنحو 1,280 ليرة جديدة ليصل إلى 52,800 ليرة. وهذا العبء الإضافي لا يهدد قدرة المنتج على الاستمرار فحسب، بل يشلّ الإنتاج والتشغيل قبل أن يبدأ، ويدفع أصحاب المنشآت والمزارعين إلى تقليص أعمالهم أو التوقف عنها.
أما المواطن، فقد أصبح يومه معركة مفتوحة لتأمين الضروريات. يتحول التفكير في لقمة العيش والتدفئة والتنقل والدواء إلى هاجس يومي لا يفارقه، ويُدفع الإنسان تدريجياً إلى حالة من الإنهاك النفسي والاغتراب، حتى يشعر السوري بأنه مستنزف ومنسيّ في وطنه.
إن الصراخ والاحتجاجات التي تملأ الشوارع اليوم ليست مجرد رفض لتسعيرة جديدة، ولا اعتراضاً عابراً على قرار اقتصادي.
إنها صرخة شعبٍ جفّت عروقه من الصبر.
إنها رسالة واضحة بأن القدرة على الاحتمال ليست بلا حدود، وأن الفقر حين يترافق مع الإحساس بالعجز وفقدان الأمل يتحول إلى جرح عميق في المجتمع.
نحن لا نطلب المستحيل، ولا نرفض ضرورات الإصلاح الاقتصادي. لكننا نطالب بأن تكون القرارات الاقتصادية إنسانية قبل أن تكون حسابية، وأن يُنظر إلى قدرة الناس على التحمل قبل النظر إلى أرقام الموازنات والجداول المالية.
ارحموا ما تبقى من رمق في هذه النفوس.
اتركوا للسوري مساحةً ليحلم، وليعمل، وليبني، وليؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
فهذا الشعب الذي تحمل ما لا يُحتمل يستحق، بعد كل ما عاناه، أن يعيش لا أن يكافح فقط من أجل البقاء.
ارحموا الإنسان السوري قبل أن يصل إلى اللحظة التي يشعر فيها أنه لم يعد يملك ما يخسره
(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

