د. م. بتول عيسى
تداولت بعض الأوساط، منذ فترة قريبة، خبر طرح خان أسعد باشا العظم في دمشق القديمة للاستثمار السياحي كفندق خاص، مما أثار حفيظة عدد من المختصين والمهتمين بالتراث والمتابعين للشأن الثقافي والعمراني.
والخبر، بالفعل، يستحق التوقف عنده، لا لأن الاستثمار في مبنى تاريخي هو أمر خاطئ بالضرورة، وإنما لأن السؤال الحقيقي يتجاوز بكثير مسألة الاستثمار نفسها.
يمثل خان أسعد باشا واحداً من أبرز مكونات النسيج العمراني والتاريخي لدمشق القديمة. وتتجاوز قيمته حدود العمارة المادية، فهو يحمل جانباً من ذاكرة المدينة وتاريخها العمراني والاقتصادي والاجتماعي، ويقدم نموذجاً حياً لفهم العمارة الدمشقية وعلاقتها بالحياة التي نشأت وتطورت داخلها.
ويزداد تعقيد هذه العلاقة عندما نوسع النظر إلى دمشق القديمة؛ فهي ليست تراثاً محلياً للدمشقيين، بل تراث إنساني مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1979 لأهميتها الفريدة. كما أنها جزء جوهري من ذاكرة السوريين جميعاً، وهي وجهة الطالب والباحث والعائلة والزائر والسائح، وهي المكان الذي يقصده كل من يزور دمشق، وهي البصمة الجينية التي تُعرّف دمشق، رغم كل التشوهات العمرانية المحيطة.
أمام هذه النظرة، يصبح من غير الممكن قبول احتكار المكان لفئة من الناس، وتحريمه على الجموع التي كبرت على حبه، فقط لأن مقياس الزيارة أصبح مرتبطاً بالاستثمار الخاص.
وهنا تبرز قضية مرتبطة بجوهر الحفاظ على التراث: كيف يمكن توظيف المبنى التاريخي اقتصادياً مع الحفاظ على علاقة المجتمع به؟
صحيح أن توظيف المباني الأثرية يشكل وسيلة لإبقائها حية، ولكن حصر الوصول إلى المبنى ضمن شروط الاستخدام التجاري لا يغيّر وظيفة الخان فحسب، بل يعيد تعريف علاقة المجتمع بالمكان.
فدمشق القديمة ليست مجموعة من المباني التاريخية، وإنما نسيج عمراني متكامل متضام، تتصل فيه الأزقة بالأبواب والأفنية والأسواق والخانات ضمن تسلسل هرمي وعلاقات مكانية فريدة. يمثل فيها الانتقال بين الفضاءات العامة والخاصة جزءاً أساسياً من التجربة الروحية والثقافية للمكان.
إن واجهة المبنى في دمشق القديمة هي مفتاح عبور بين عالمين مختلفين: من عالم الزقاق إلى عالم الفناء الداخلي الحي والغني، الذي نال من الدراسات ما تعجز عن إحصائه القواميس.
وتبقى تجربة المكان مختلفة عن مشاهدة واجهته من الخارج؛ فالفناء في الخان ليس فراغاً معمارياً ثانوياً، وإنما قلب التجربة المكانية وأحد عناصر القيمة الكبرى فيها. هذه القيمة التي يجب أن نحافظ عليها حيوية، حاضرة في ثقافتنا وتراثنا وفكرنا، منتبهين دوماً إلى أن هذه المفردات ستكون يوماً ما مفتاحاً لصياغة هوية معمارية محلية أصيلة.
يجب أن يبقى باب المبنى الأثري مفتاحاً للحلم، وليس سوراً يحجب عن المجتمع جمال الفراغ الداخلي ومتعة التجربة الروحية والاكتشاف والمعرفة.
المعرفة التي هي أساس حماية التراث، المرتبطة بالوصول إلى المبنى الأثري، والنابعة من المشاركة المجتمعية في تحديد مستقبل الأماكن التي تشكل ذاكرة الناس.
وهنا تظهر مسألة أخرى تتعلق بالقيمة الاقتصادية للتراث، وهي نصيب المجتمع من هذه القيمة، من خلال تحويل عائد الاستثمار المادي إلى جزء من منظومة أوسع لحماية المواقع التراثية ومحيطها.
وتكشف تجربة خان سليمان باشا أهمية الوعي المجتمعي بهذه القضايا. فالمباني التي لا يعرف الناس قيمتها تصبح أكثر عرضة للتغيير أو الإهمال من دون نقاش عام، كما حصل منذ فترة قصيرة بتحويل خان سليمان باشا إلى منشأة سياحية أيضاً.
بناءً على ما سبق، فإن المبنى التراثي هو أصل ثقافي عام، تتجاوز قيمته حجم الاستثمار الخاص.
ولذلك، فإن قضية استثمار خان أسعد باشا تتعلق بالطريقة التي تتم بها إعادة الاستخدام، وبالحدود التي تحمي قيمة المبنى وعلاقته بالمدينة.
يمكن للخان أن يعيش بوظيفة معاصرة، وأن ينتج قيمة اقتصادية، من دون أن يتحول إلى فضاء منفصل عن المجتمع الذي يمنحه معناه.
الحفاظ على التراث لا يعني أبداً إبقاء الحجر قائماً فحسب، بل يحمل في صميمه الحفاظ على العلاقات التي تجعل هذا الحجر جزءاً من المكان والذاكرة.
في النهاية، يكمن التحدي في أن يبقى خان أسعد باشا مبنىً حياً داخل دمشق، مفتوحاً للزيارة، وفضاءً لاكتشاف العمارة، وجزءاً من ذاكرة المدينة، وأن تساهم القيمة الاقتصادية التي ينتجها في حماية ما تبقى من التراث السوري.
فالتراث الذي نحافظ عليه هو أكثر من جدران محفوظة؛ إنه علاقة مستمرة على محور الزمن بين الإنسان والمكان. وعندما تنقطع هذه العلاقة، يمكن للمبنى أن يبقى قائماً، لكنه فاقد لجزء أساسي من معناه: الإنسان الذي ينظر إليه بحسرة، سائلاً نفسه: هل أستطيع دفع تكاليف غداء واحد كي يرى أولادي هذا الصرح التاريخي الذي أحمل تاريخ مدينته وشماً على الروح؟

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

