آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » أصالة في دمشق.. حين تغني سوريا نفسها

أصالة في دمشق.. حين تغني سوريا نفسها

 

 

كتب: د. أحمد غزيل

 

على الرغم من أنني لست من المعجبين كثيراً بأغاني المطربة السورية أصالة نصري، التي حققت حضوراً واسعاً وتألقاً في معظم الدول العربية، فإنني أجد نفسي مضطراً، بعد حفلتها الأخيرة في دمشق، إلى تسجيل شهادة إنصاف. ولعل علاقتي الفنية القديمة كانت أقرب إلى أغاني والدها الراحل مصطفى نصري، التي بقيت لها في ذاكرتي نكهة خاصة وحنين إلى زمن فني مختلف.

 

لكن أصالة، في حفلتها في دمشق، كانت شيئاً آخر.

 

لقد عادت إلى مدينتها وبلدها بعد غياب طويل، فبدت وكأنها لا تغني لجمهورها فحسب، وإنما تغني لسوريا بكل ما تختزنه من ذاكرة وتنوع وتناقضات جميلة. كانت الحفلة، في جانب كبير منها، استعادة لصوت سوري غاب طويلاً، واحتفاءً ببلد أراد أبناؤه، رغم كل ما مروا به، أن يسمعوا بعضهم بعضاً من جديد.

 

واللافت أن أصالة لم تكتفِ بأغانيها المعروفة، بل حملت إلى المسرح شيئاً من التنوع الموسيقي والتراثي السوري، مستحضرة ألواناً من الفولكلور الذي يميز المحافظات السورية المختلفة. وهنا تكمن أهمية ما قدمته؛ فالتنوع السوري ليس عبئاً على الهوية الوطنية، بل هو أحد أهم مكوناتها ومصادر غناها.

 

سوريا ليست لوناً واحداً، ولا لهجة واحدة، ولا ذاكرة واحدة. هي دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس وحمص وحماة وإدلب ودير الزور والرقة والحسكة ودرعا والسويداء والقنيطرة وريف دمشق، وهي أيضاً كل تلك الثقافات والعادات والألحان والحكايات التي تراكمت عبر قرون طويلة. وما فعلته أصالة، ببساطة ووضوح، أنها وضعت هذا التنوع أمام جمهورها بوصفه مساحة مشتركة يمكن أن يلتقي فيها السوريون.

 

ومن هنا، بدا لي أن الرسالة التي حملتها الحفلة كانت أكبر من الغناء نفسه. ففي بلد أنهكته سنوات الانقسام والصراع، قد تكون أغنية واحدة قادرة أحياناً على الوصول إلى أماكن في وجدان الناس تعجز عن الوصول إليها الخطب السياسية والبيانات والمؤتمرات.

 

لا أقول إن حفلة فنية يمكن أن تحل محل السياسة أو الحوار الوطني أو المصالحات المجتمعية، لكن الثقافة والفن يستطيعان أن يمهدا الطريق إليها، لأنهما يخاطبان الإنسان قبل أن يخاطبا مواقفه السياسية. وعندما يغني فنان لسوريا بكل تنوعها، فإن الرسالة تصل مباشرة إلى الذاكرة والوجدان.

 

ولعل التنظيم الجيد للحفل والحضور الجماهيري اللافت كانا أيضاً مؤشراً على رغبة السوريين في استعادة الحياة العامة ومساحاتها الطبيعية، وفي أن تعود دمشق إلى احتضان الفن والثقافة والفعاليات التي طالما شكلت جزءاً من صورتها ومكانتها.

 

سوريا التي عرفها التاريخ لم تكن يوماً بلداً مغلقاً على لون واحد. كانت على الدوام نقطة التقاء حضارات وثقافات وشعوب، ومن هذا التنوع استمدت جانباً كبيراً من قوتها ومكانتها الحضارية. لذلك فإن الحفاظ على هذا التنوع، واحترامه، وتحويله إلى مصدر للتلاقي بدلاً من أن يكون سبباً للخلاف، هو مسؤولية ثقافية ووطنية قبل أن يكون مجرد شعار.

 

قد لا أكون من جمهور أصالة بالمعنى الفني الدقيق، لكنني أستطيع أن أكون من جمهور الرسالة التي حملتها إلى دمشق. وفي النهاية، ربما كان أجمل ما في الحفلة أنها لم تطلب من السوريين أن يتشابهوا، بل ذكّرتهم بأن اختلافهم يمكن أن يكون جزءاً من وحدتهم.

 

وفي زمن كثرت فيه الأصوات التي تفرق، كان من الجميل أن تأتي ليلة موسيقية من دمشق لتقول، بلغة الفن التي يفهمها الجميع: هذه سوريا بتنوعها، وهذه هويتها التي لا تكتمل إلا بكل أبنائها

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مع بدء عام دراسي جديد… ما المطلوب؟

سمير حماد     مع بدء العام الدراسي الجديد ، أرى أن المطلوب كثير؛ من المناهج، على بؤسها، ومن المعلمين، بالرغم من الأساليب التقليدية التي ...