د. سلمان ريا
بعد اطلاعي على المادة التي نشرها «أخبار سوريا الوطن» أمس تحت عنوان: «نحو 4000 سفينة يملكها سوريون.. أين أصبحت خطة إعادتها إلى العلم السوري؟ وأين موقعها من صناعة بحرية سورية تخدم الاقتصاد الوطني؟»، أود تقديم وجهة نظري حول هذا الملف، مركزًا على الجانب التشريعي والمؤسسي باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لأي مشروع جاد لإعادة السفن إلى العلم السوري.
لقد صدرت خلال الفترة الماضية تصريحات إعلامية عن أعداد كبيرة من السفن المملوكة لسوريين والتي تعمل تحت أعلام أجنبية، وعن إمكانية عودة بعضها إلى السجل البحري السوري. أما الأرقام المتداولة، ومنها رقم الأربعة آلاف، فهي تحتاج إلى تدقيق وتوثيق، إذ لا تتوافر حتى الآن بيانات منشورة توضح مصادرها ومنهجية احتسابها. ولذلك، من الأفضل أن يبقى النقاش في هذه المرحلة أبعد من الرقم نفسه.
فالسؤال الأهم ليس: كم سفينة يمكن أن تعود؟
السؤال هو: هل لدينا المنظومة البحرية التي تستطيع أن تستقبل السفن العائدة وتمنحها علمًا يحظى بالثقة والاعتراف؟
عودة السفينة إلى العلم السوري ليست إجراءً إداريًا يتعلق بإدراج اسمها في سجل السفن. فالعلم يرتبط بمسؤوليات واسعة تتعلق بسلامة السفينة، وكفاءة طاقمها، والتفتيش والكشف، وإصدار الشهادات، وحماية البيئة البحرية، وإدارة السلامة، والتحقيق في الحوادث، ومتابعة السفينة طوال فترة تشغيلها.
وهنا تصبح المنظومة التشريعية البحرية عنصرًا أساسيًا في مشروع عودة السفن. فوجود قوانين وأنظمة واضحة ومحدثة، تحدد الاختصاصات والمسؤوليات وتنسجم مع الالتزامات البحرية الدولية، ليس مسألة قانونية منفصلة عن الاقتصاد البحري؛ بل هو جزء من البنية التي تجعل العلم السوري قادرًا على استعادة السفن والحفاظ عليها.
والأهم أن الامتثال لا يُقاس بوجود النصوص وحدها. فالمنظومة البحرية التي تحظى بالثقة هي التي تستطيع أن تثبت أن ما تنص عليه القوانين يجري تطبيقه فعليًا، وأن المؤسسات المختصة تملك الصلاحيات والقدرات اللازمة، وأن الشهادات والتفتيش والرقابة والإنفاذ تعمل ضمن إطار واضح ومتسق.
وتزداد أهمية هذا الموضوع مع اقتراب تدقيق المنظمة البحرية الدولية المقرر لسورية في عام 2027. فالتدقيق ينظر إلى قدرة السلطات على تنفيذ الالتزامات البحرية الدولية وإنفاذها عمليًا، وليس إلى وجود القوانين على الورق فقط.
وهذا يجعل الاستعداد لهذا الاستحقاق مرتبطًا بصورة مباشرة بمستقبل العلم السوري. فالسفينة التي تختار العودة إلى العلم السوري تحتاج إلى أكثر من سجل وطني؛ تحتاج إلى بيئة قانونية ومؤسسية تستطيع أن تحمي مصالحها وتدعم تشغيلها، وتمنح الجهات الدولية التي تتعامل معها الثقة بأن العلم الذي ترفعه يستند إلى منظومة قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
وقد أعيد خلال الفترة الماضية ترتيب المرجعيات الإدارية للمنافذ والموانئ والنقل البحري، وكان المرسوم رقم 244 لعام 2025 محطة مهمة في هذا المسار. وهذا التحول الإداري يجعل مسألة وضوح الإطار التشريعي وتناسق الاختصاصات أكثر أهمية، خصوصًا في قطاع يرتبط بعدد كبير من الاتفاقيات والالتزامات الدولية.
لذلك، فإن الحديث عن عودة السفن ينبغي ألا يبدأ بعدد السفن التي يمكن تسجيلها، بل بمدى جاهزية البيئة التي ستعود إليها.
فالامتثال ليس نتيجة لاحقة لعودة السفن؛ بل هو أحد الشروط التي تجعل هذه العودة ممكنة وقابلة للاستمرار.
وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق لاستحقاق عام 2027: ليس مجرد اجتياز تدقيق دولي، وإنما التأكد من أن العلم السوري يمتلك وراءه منظومة تشريعية ومؤسسية تستطيع السفن أن تعود إليها، وأن تبقى تحتها بثقة واستقرار.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
