آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » خطاب الكراهية..كساح وعمى!!

خطاب الكراهية..كساح وعمى!!

 

 

بقلم: مالك صقور

 

يقول حكيم يوناني قديم: “في بعض الأزمنة المريضة يصبح الخراب سيدًا” ، أما الإمام الشافعي فيقول:

 

نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

وليس الذئب يأكل لحم ذئب

ويأكل بعضنا بعضًا عيانًا

 

إذن، من المريض؟! الزمن؟ أم نحن أهل الزمن؟

 

تنفرد اللغة العربية، من بين كل لغات العالم، بتمييزها بين (البصر) و(البصيرة) – كما يقول ميخائيل نعيمة – فهما فرعان من أرومة واحدة، وتوأمان من بطن واحد، وهما متلاصقان متباعدان، ومتشابهان متناقضان: أما التلاصق والتشابه ففي المصدر، وأما التناقض والتباعد ففي الطريق والواسطة.

 

فالبصر: مركزه العين.

 

والبصيرة: مركزها العقل والقلب والوجدان.

 

وما العمل إذا فقد الإنسان في مجتمع ما البصر والبصيرة معًا؟ وهل لنا أن نتخيل مجتمعًا ضربه العمى؟ وماذا سيحدث عندما لا يرى الناس بعضهم بعضًا؟!

 

نجد الجواب عند الروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو في روايته “العمى” .

في هذه الرواية، يصور مدينة حديثة مزدحمة جدًا. وعند تقاطع شارعين تتوقف السيارات عند إشارة المرور الضوئية، عندما تظهر الإشارة الحمراء. وبعد أن تدرجت الإشارة من الأحمر إلى الأصفر إلى الأخضر، انطلقت السيارات.. إلا سيارة بقيت في مكانها تعرقل رتل السير الذي توقف خلفها، مما أثار غضب السائقين، وتم الاعتقاد أن عطلًا طارئًا قد أصاب السيارة.

 

لكن عندما تم استطلاع الأمر، تبين أن السائق الذي يعرقل السير بدأ يشير بإشارات عصبية، وفهموا منه أنه فقد بصره تمامًا. ولم يعد يرى شيئًا، فقد أُصيب بعمى مفاجئ.

 

تطوع فاعل خير وقاد سيارة المصاب إلى بيته. وعندما أوصله، سرق مفتاح السيارة مستغلًا وضع المصاب. لكن ما إن وصل فاعل الخير إلى ضاحية المدينة حتى فوجئ هو الآخر بفقدان بصره. وبقي حتى اُكتشف أمره.

 

وبسرعة انتشرت آفة العمى في المدينة. وهذا أربك السلطات المحلية، فاضطرت إلى حجر العميان في مصحات خاصة. وعلى الرغم من كل الاحتياطات، انتشر العمى أكثر فأكثر، وتحولت المدينة إلى مدينة أشباح… (أتوقف هنا عن سرد مضمون هذه الرواية الذي لا يغني عن قراءتها).

 

وقد أتيت على ذكر هذه الرواية الرمزية التي فاز ساراماغو بموجبها بجائزة نوبل، لأقول: عندما ينتصر خطاب الكراهية، وتنعدم العلاقات الإنسانية، ويتفشى الاستهلاك والربا والمنفعة والبغض، وتسود روح العداء والحقد والكراهية، عندها يُصاب الإنسان بحال من عمى الألوان، لا بل يُصاب بالعمى النفسي، وينتقل هذا العمى النفسي من شخص إلى شخص إلى شخص حتى يعم العمى المجتمع كله.

 

وكلما ازداد عدد العميان في المجتمع، ازداد تفكك الروابط الاجتماعية، والعلاقات الحميمة، وانتصرت الغريزة والرذيلة والضغينة والحقد والبغضاء نتيجةً لخطاب الكراهية.

 

فالإنسان يولد صفحة بيضاء.. والمجرم لا يولد مجرمًا، ولا اللص لصًا، ومعنى ذلك أن المجتمع هو المسؤول: بدءًا من البيت، فالمدرسة، ومحيط المرء، في الجامع والكنيسة والعمل.. وإلا فمن أين يتعلم المرء كراهية الآخر؟ إذن هو يتلقن ذلك بالوراثة الغاشمة، ومن ثم تنتقل كغريزة القطيع.

 

عندما كتب ساراماغو روايته الفلسفية «العمى»، لم يكن يوثق وباءً بيولوجيًا يصيب العيون بالعمى، بل كان يشرح عارضًا أخلاقيًا يلتهم البصيرة.

 

فهذا الإسقاط الأدبي يتجسد اليوم واقعًا في المجتمعات التي عشش فيها الحقد والكراهية والبغضاء وسيطر على وجدانهم الجمعي؛ عندئذ يتحول المجتمع بفعل سوسيولوجيا الضغينة إلى مجتمع كسيح أو مشلول وأعمى في آن واحد.

 

بلى.. مجتمع كسيح عاجز عن الحركة والإنتاج. وأعمى انقطعت أواصره الاجتماعية..

 

فإن ساراماغو، الذي رمّز في روايته بل نشر العمى في العالم كله، فهو يقصد العمى الجماعي، ليس فقدان البصر فحسب، بل فقدان القدرة على التمييز والفعل.

 

والموت في جوهره ليس إلا حالة من انعدام التنظيم الذي يؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام والقانون. وهو نوع من فوضى الوظائف تؤدي إلى الهلاك. وما ينطبق على جسم الإنسان ينطبق على جسم المجتمع.

 

والسؤال الضروري اليوم: ما العمل لنزع فتيل خطاب الكراهية، وتعميم ثقافة المحبة والتسامح والتعاون والتكافل والتضامن، وإشاعة الأمن والأمان؟

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوريا… حين تُمسك بفرصتها الأخيرة لتولد من جديد

  بقلم: جمعان علي العمير   سوريا تقف اليوم أمام لحظة ليست عابرة، وليست من تلك الفرص التي تمنحها الجغرافيا أو المصادفات، بل من اللحظات ...