متابعة:هيثم يحيى محمد
في وقت يتجه فيه النقل البحري العالمي إلى مزيد من التوسع، تبرز أمام سوريا فرصة اقتصادية مهمة قد لا تتكرر بسهولة، تتمثل بوجود أسطول كبير من السفن المملوكة لسوريين، إلى جانب موقع جغرافي ومرافئ يمكن أن تشكل أساساً لصناعة بحرية متكاملة.
وكان مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، مازن علوش، قد كشف في حزيران 2025 أن نحو 4000 سفينة مملوكة لسوريين تبحر بمعظمها تحت أعلام دول أجنبية، بينها بنما وليبيريا وجزر مارشال ومالطا وسيشل.
وأوضح علوش حينها أن الهيئة تعمل على برنامج لإعادة أكبر قدر ممكن من هذه السفن إلى السجل الوطني البحري، من خلال تحديث التشريعات وتبسيط إجراءات التسجيل ومراجعة الرسوم وإطلاق منظومة إلكترونية، إضافة إلى تقديم حوافز للسفن التي تعود إلى العلم السوري.
وكان من المعلن أن يبدأ برنامج إعادة التسجيل خلال الربع الأول من عام 2026.
وهنا يبرز سؤال مشروع اليوم: ماذا تحقق من هذه الخطة؟ وكم سفينة عادت فعلياً إلى السجل البحري السوري؟
السؤال يكتسب أهمية إضافية مع تغير الظروف التي دفعت كثيراً من مالكي السفن السوريين إلى التسجيل تحت أعلام أجنبية، ولا سيما القيود والعقوبات التي كانت تعيق التعاملات المالية والتأمين ودخول السفن الحاملة للعلم السوري إلى بعض الموانئ.
فإذا كانت الظروف قد تغيرت، فإن المرحلة الحالية تفرض تحديثاً واضحاً للرؤية البحرية السورية، ليس فقط بهدف إعادة السفن إلى العلم الوطني، وإنما للاستفادة من هذه الكتلة الكبيرة من رأس المال البحري في بناء صناعة متكاملة داخل سوريا.
من إعادة التسجيل إلى بناء صناعة بحرية
نحو 4000 سفينة مملوكة لسوريين تعني، في حال تفعيل البيئة المناسبة، وجود سوق محتملة واسعة لخدمات الصيانة والإصلاح والتجهيز.
وهنا تظهر أهمية بناء أحواض حديثة في سوريا، ولا سيما في طرطوس، بحيث تستطيع السفن المملوكة لسوريين الحصول على خدماتها داخل البلاد، بدلاً من إرسالها إلى أحواض خارجية، كما يمكن مستقبلاً استقطاب سفن أجنبية تحتاج إلى خدمات الصيانة والإصلاح في شرق المتوسط.
والأمر لا يتوقف عند الصيانة؛ فوجود قاعدة قوية للإصلاح والتجهيز يمكن أن يكون خطوة أولى نحو تطوير قدرات بناء السفن، وما يرتبط بذلك من صناعات معدنية وهندسية وكهربائية، إضافة إلى تدريب الكوادر وتوفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
ماذا عن حوض طرطوس؟
في كانون الثاني 2026 أُعلن عن اتفاق لإنشاء حوض متكامل لبناء السفن في ميناء طرطوس، يشمل البناء والإصلاح والصيانة، مع استثمارات معلنة وفرص عمل وتدريب ونقل للخبرات.
ويفترض أن يشكل المشروع، في حال تنفيذه، إحدى أهم الركائز لبناء صناعة بحرية سورية حديثة.
لكن الاتفاق، مهما بلغت أهميته، يبقى بحاجة إلى أن يتحول إلى مشروع قائم على الأرض.
ومن هنا تبرز تساؤلات القطاع البحري وأصحاب السفن: أين وصلت خطوات تنفيذ المشروع؟ وما الجدول الزمني الفعلي للبدء؟ وهل تتوافر الضمانات والتمويل والبيئة الاستثمارية التي تسمح له بالاستمرار؟
فالقطاع البحري لا يحتاج إلى إعلانات فقط، وإنما إلى أحواض تعمل، وتشريعات واضحة، وتأمين وتمويل، وتصنيف بحري معترف به دولياً، وخدمات تنافسية.
فرصة أمام الاقتصاد الوطني
إن إعادة جزء كبير من السفن المملوكة لسوريين إلى السجل الوطني، بالتوازي مع إنشاء بنية تحتية لصيانة وإصلاح وبناء السفن، يمكن أن يخلق حلقة اقتصادية متكاملة.
فالسفينة التي تسجل تحت العلم السوري تحتاج إلى خدمات تأمين وتصنيف وصيانة وتجهيز وتموين، كما أن أعمال الصيانة والبناء تحتاج إلى مهندسين وفنيين وصناعات وموردين محليين.
وبذلك لا تصبح القضية مجرد إعادة سفن إلى العلم السوري، وإنما فرصة لإعادة بناء قطاع بحري كامل يمكن أن يرفد الاقتصاد الوطني بالاستثمارات وفرص العمل والخبرات والقيمة المضافة.
ويبقى السؤال الأهم الذي ينتظر إجابة من الجهات المعنية:
بعد الإعلان عن خطة إعادة نحو 4000 سفينة إلى السجل البحري السوري، وبعد مرور الفترة التي كان يفترض أن يبدأ خلالها البرنامج، ما الذي أُنجز فعلياً؟ وكم سفينة عادت إلى العلم السوري؟
والسؤال الآخر لا يقل أهمية:
هل يجد مشروع حوض السفن المتكامل في طرطوس طريقه إلى التنفيذ الفعلي، ليكون نقطة البداية لصناعة بحرية سورية تخدم هذه السفن، أم سيبقى الاتفاق خارج اي خطوات عملية؟
إن امتلاك السوريين لهذا العدد الكبير من السفن، وفق التصريح الرسمي، يمثل رأس مال بحرياً قائماً بالفعل. والتحدي اليوم هو تحويل هذا الرصيد من ملكية موزعة في الخارج إلى منظومة بحرية سورية متكاملة يكون لها حضور داخل الموانئ السورية وفي الاقتصاد الوطني

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
