إخلاص علي
تعدّ الأسمدة من الأعمدة الأساسية للزراعة، إذ يرتبط مستوى الإنتاج وجودته بشكل مباشر بتوفرها بالكميات المناسبة والأسعار المقبولة. غير أن هذا القطاع الحيوي يواجه منذ سنوات أزمة متراكمة تجمع بين شحّ الإمدادات وارتفاع التكاليف، ما يضع المزارعين أمام تحديات متزايدة تنعكس على الموسم الزراعي والأمن الغذائي بشكل عام.
وفي بلد يعتمد بشكل كبير على الزراعة كمصدر رئيسي للغذاء والدخل، يتحول أي خلل يطال هذا القطاع إلى عامل ضغط مباشر على الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي. ومن هنا، تبرز مسألة توفر الأسمدة بوصفها واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الفلاحين، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتقلبات السوق.
وفي سياق أوسع يمتد إلى أسواق الطاقة والغذاء عالمياً، تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” إلى أن اضطراب مضيق هرمز، في ظل التوترات الإقليمية، ينعكس بصدمات متزامنة على سلاسل الإمداد، لارتباطه بممرات رئيسية للتجارة الدولية.
ويمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، ونحو 20 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وحوالي 30 بالمئة من تجارة الأسمدة عالمياً، فيما قد يؤدي أي تعطّل فيه إلى منع عبور نحو 1.3 مليون طن من الأسمدة شهرياً.
معاناة المزارعين
تحدث عدد من المزارعين لصحيفة “الثورة السورية” عن معاناتهم اليومية مع هذه الأزمة. إذ قال المزارع حمدان نوفل: “نضطر أحياناً لشراء السماد من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، وإلا نخسر الموسم بالكامل”.
فيما أشار المزارع عبد الكريم حمد، إلى أن تأخر وصول السماد أو عدم توفره في الوقت المناسب ينعكس بشكل مباشر على جودة الإنتاج وكميته. وأضاف: “حتى عندما يتوفر السماد، يكون سعره فوق طاقتنا، فنضطر لتقليل الكميات المستخدمة، مما يضعف المحصول ويقلل من أرباحنا”.
هذه الشهادات تعكس واقعاً صعباً يعيشه الفلاح، وتؤكد الحاجة الملحة لإيجاد حلول جذرية ومستدامة تضمن استقرار هذا القطاع الحيوي.
في آذار الماضي، أصدر المصرف الزراعي التعاوني تعميماً بإيقاف بيع وتسليم سماد اليوريا بتركيز 46 بالمئة، بدءاً من 24 آذار 2026، دون توضيح أسباب الإيقاف أو موعد استئناف التوزيع.
وجاء هذا الإجراء بعد نحو أسبوع فقط من تعميم سابق كان قد سمح ببيع السماد نقداً لمختلف المحاصيل والأشجار المثمرة المدرجة ضمن جداول الاحتياج المعتمدة لدى المصرف، سواء عبر التنظيم الزراعي أو من خلال الكشف الحسي، ما أثار تساؤلات حول خلفيات هذا التغيير.
وحذر المزارعون من تأثير القرار على إنتاج المحاصيل الأساسية مثل القمح والزيتون والحمضيات، خاصة بعد ارتفاع أسعار السماد مؤخراً، ما قد يؤدي إلى تراجع كبير في الإنتاج هذا الموسم، مطالبين بتدخل حكومي واستئناف التوزيع بالسعر الرسمي لدعم الزراعة وحماية الأمن الغذائي.
عبء إضافي
رغم تعقيد هذه المشكلة، يرى مهتمون بالشأن الزراعي أن معالجتها تبقى ممكنة، في ظل امتلاك سوريا لمقومات أساسية لإنتاج الأسمدة، من الفوسفات والغاز إلى الخبرات البشرية. ومع فتح باب الاستثمار، يؤكد الخبراء ضرورة التوجه نحو توطين هذه الصناعة بما يلبي احتياجات قطاع لا يزال يرتبط بطابعه الزراعي بشكل أساسي، مع التركيز على إنشاء معامل جديدة وتطوير القائم منها، إلى جانب فرض رقابة على المعامل والورش المحلية الصغيرة.
وإلى حين الوصول إلى صناعة متكاملة تلبي احتياجات القطاع الزراعي، يرى الخبراء أن على الجهات المختصة العمل على تأمين الأسمدة، سواء عبر الاستيراد أو من خلال مقايضتها بالفوسفات، في ظل محدودية الإمكانات المتاحة.
وأكد المهندس الزراعي واصل الخطيب، لصحيفة “الثورة السورية”، أن عمليات التوزيع لم تُستأنف بعد، لافتاً إلى أن الأسعار تشهد ارتفاعاً نسبياً، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على قدرة المستهلكين، لا سيما المزارعين، على تأمين احتياجاتهم في الوقت المناسب.
وأوضح أن طن سماد اليوريا يُعرض حالياً ضمن نطاق سعري يتراوح بين 38 دولاراً للمنتج المحلي، و45 دولاراً للمنتج المستورد، لا سيما القادم من السعودية. واعتبر أن هذا الفارق السعري عامل إضافي يزيد من الأعباء المالية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، ما قد يدفع بعض المزارعين إلى تقليص استخدامهم أو البحث عن بدائل أقل كلفة.
انعكاسات سلبية
تنتج الشركة العامة للأسمدة ثلاثة أنواع رئيسة: سماد اليوريا، سماد الكالنترو، والسماد الفوسفاتي.
وكان الإنتاج محدوداً خلال عام 2025 نظراً لعدم توفر المواد الخام الأساسية اللازمة للإنتاج، وبلغ 3500 طن من سماد الكالنترو، و3800 طن من السماد الفوسفاتي.
وفي تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية”، قال مدير عام الشركة العامة للأسمدة، المهندس مصطفى عبد الله علي، إن الطاقة الإنتاجية لمعامل الأسمدة تكفي حاجة البلاد، في حال توفر المواد الخام الرئيسية وبعد إجراء عمليات الصيانة.
وفي حال توفر الشروط المثلى، يمكن تحقيق إنتاج يتراوح بين 1600 و1700 طن يومياً من مختلف أنواع الأسمدة.
ويرى خبير الاقتصاد الزراعي المهندس محمد مهند الأصفر، أن قطاع الأسمدة في سوريا يواجه تحديات كبيرة، سواء من حيث الإنتاج المحلي أو صعوبات الاستيراد، مشيراً إلى أن الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، وعلى رأسها اليوريا، ترتبط بشكل مباشر بتوفر الغاز، نظراً لاعتماد معامل إنتاجها عليه بشكل أساسي.
وأوضح الأصفر لصحيفة “الثورة السورية” أن إنتاج الأسمدة الفوسفاتية يحتاج إلى حمض الفوسفور، وهو مادة مستوردة لا تتوفر بالكميات الكافية محلياً، ما يزيد من تعقيد المشهد.
وأشار إلى أن سلاسل توريد الغاز، التي تتأثر بالتوترات الإقليمية وحركة النقل البحري والبري، تلعب دوراً حاسماً في استقرار إنتاج الأسمدة. وأي خلل في هذه السلاسل يؤدي إلى تراجع الإنتاج المحلي، ما يفرض اللجوء إلى الاستيراد بأسعار أعلى، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، خاصة في ظل الأزمات الدولية واحتمال تعطل الممرات الحيوية.
ولفت إلى أن هذا الواقع سينعكس بشكل مباشر على القطاع الزراعي، سواء في إنتاج الأشجار المثمرة أو الخضروات أو الزراعات المحمية، إذ إن غياب الأسمدة في الوقت المناسب يوازي عدم استخدامها أساساً، ما يؤدي إلى اختلالات في التربة مثل زيادة الملوحة أو عدم توازن العناصر الغذائية، وهو ما يستدعي لاحقاً تكاليف مرتفعة لإعادة تأهيل الأراضي.
كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة أو ندرتها سيؤديان إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، وبالتالي سينعكس ذلك على أسعار المنتجات في الأسواق، ويؤثر في القدرة الشرائية للمواطنين، وفق الأصفر.
ولم يستثنِ الخبير من ذلك قطاع الثروة الحيوانية، موضحاً أن ارتفاع أسعار الأسمدة سينعكس بدوره على أسعار الأعلاف نتيجة تراجع الإنتاجية، رغم تحسن الأمطار في الفترة الحالية.
وكانت شركة “يارا” النرويجية، أشارت إلى أن أي إغلاق لمضيق “هرمز” يعطل نحو ثلث تجارة اليوريا عالمياً، إضافة إلى مواد إنتاج أساسية مثل الغاز والأمونيا والفوسفات والكبريت.
وقال كبير الاقتصاديين في “الفاو” ماكسيمو توريرو، إن العديد من المزارعين قد يقلّصون استخدام الأسمدة أو يتجهون إلى محاصيل أقل اعتماداً عليها، محذراً من أن أي خفض محدود في استخدامها قد يؤدي إلى تراجع أكبر من المتوقع في الإنتاج، لا سيما في المناطق التي يكون فيها الاستخدام منخفضاً أساساً.
استراتيجية متكاملة
دعا الأصفر إلى اعتماد استراتيجية متكاملة لدعم القطاع الزراعي، تبدأ بدعم أسعار الأسمدة بشكل مباشر، بحيث تتحمل الدولة جزءاً من التكلفة لتصل إلى المزارعين بأسعار مخفضة، بما يضمن شعورهم الحقيقي بالدعم.
وشدد على أهمية دعم وتحديث خطوط الإنتاج المحلية وتأمين الغاز اللازم للمصانع دون التأثير على قطاع الكهرباء.
واقترح تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية على استيراد الأسمدة وموادها الأولية لتسهيل دخولها إلى السوق وزيادة المعروض منها، إضافة إلى تفعيل دور المصرف الزراعي في الاستيراد والبيع بأسعار مدعومة، مؤكداً في الوقت ذاته ضرورة مكافحة تهريب الأسمدة، لما لذلك من آثار سلبية على جودة التربة والإنتاج نتيجة دخول مواد غير مطابقة للمواصفات.
كما طرح الأصفر رؤية إضافية تقوم على توجه الهيئة العامة للاستثمار السورية نحو دعم إقامة مشاريع استثمارية كبرى لإنتاج الأسمدة، سواء المعدنية أو العضوية، إلى جانب الاستفادة من المناطق الصناعية، لا سيما تلك التي تضم مقاسم مخصصة للصناعات الكيميائية، لتوجيهها نحو الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
وأكد أيضاً على أهمية التوسع في إنتاج الأسمدة العضوية محلياً باعتبارها خياراً واعداً يمكن تصنيعه بكفاءة داخل البلاد.
وأشار إلى أهمية تعزيز الوعي لدى المزارعين حول الاستخدام الأمثل للأسمدة من حيث النوع والكميات، لتفادي الاستخدام العشوائي الذي يضر بالتربة والإنتاج، معرباً عن أمله في تسريع تعافي القطاع الزراعي وعودة عجلة الإنتاج في المصانع، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق الاستقرار الغذائي، وداعماً التوجهات نحو الزراعة العضوية لما لها من فوائد اقتصادية وبيئية على المدى الطويل.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
