بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
تهدف العدالة الانتقالية إلى تحقيق السلم الأهلي وترسيخ دولة القانون من خلال مسارات متكاملة، أبرزها: كشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، والإصلاح المؤسسي، وسن التشريعات اللازمة، إلى جانب المساءلة وجبر الضرر.
ولم تعد السياسة الجنائية الحديثة تقتصر على معاقبة الجاني، بل امتدت لتشمل إنصاف الضحية عبر التعويض وجبر الأضرار، بما ينسجم مع فلسفة العدالة الانتقالية.
لذلك، يقتصر حديثي – هنا – على مساري المحاسبة وجبر الضرر، لكونهما ركيزتين متلازمتين، فلا تكتمل العدالة بالمحاسبة وحدها، ولا يحقق جبر الضرر غايته في غياب المساءلة.
أولًا: المحاسبة
العقوبة هي جزاء قانوني تفرضه الدولة بموجب حكم قضائي صادر عن محكمة مختصة، على شخص ثبتت مسؤوليته عن ارتكاب جريمة وفقًا للقانون، سواء كان فاعلًا أصليًا، أو شريكًا، أو محرضًا، أو متدخلًا.
وللعقوبة جملة من الأهداف، أهمها: تحقيق العدالة، وحماية المجتمع، وإصلاح الجاني، وترسيخ سيادة القانون، ومنع تكرار الانتهاكات.
وتقوم العقوبة على قاعدة قانونية واضحة وبسيطة: كل من ارتكب جريمة يجب أن يخضع للمساءلة والعقاب وفق القانون، بغض النظر عن صفته أو موقعه أو الجهة التي انتمى إليها.
فالعدالة الانتقالية لا تفرق بين ضحية وأخرى، كما لا تميز بين جانٍ وآخر، وإنما تخضع الجميع للقانون، وتكفل لهم محاكمة عادلة وضمانات الدفاع. فالعدالة الانتقائية ليست عدالة، وإنما صورة أخرى من صور الظلم، لأنها تستبدل انحيازًا بانحياز، ولا تؤسس لدولة القانون.
ثانيًا: جبر الضرر
لا تكتمل العدالة بمجرد معاقبة الجناة، بل لا بد من إنصاف الضحايا ورد حقوقهم وجبر الأضرار التي لحقت بهم.
ويشمل ذلك مختلف الجرائم التي نتج عنها الضرر، ومن أهمها:
• الجرائم الواقعة على النفس، كالقتل، والتعذيب، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتهجير، وانتهاك حقوق الإنسان.
• الجرائم الواقعة على الكرامة والشرف، كالاغتصاب، والعنف الجنسي، والتحرش.
• الجرائم الواقعة على الأموال، سواء كانت أموالًا خاصة أو عامة، منقولة أو عقارية.
• الأضرار الناجمة عن التهجير القسري وفقدان مصادر الرزق.
• الأضرار النفسية والاجتماعية التي أصابت الضحايا وأسرهم.
ويقوم جبر الضرر على مبدأ قانوني راسخ، وهو تعويض المتضرر عما لحقه من خسارة وما فاته من كسب.
وبناءً على ذلك:
• فمن اعتُقل أو أُخفي قسرًا أو سُرّح من وظيفته أو اضطر إلى الانشقاق عنها بسبب الظروف التي فرضها النظام، يستحق الإعادة إلى العمل والتعويض الكامل عن حقوقه الوظيفية والمالية، بما في ذلك الرواتب والدرجات والرتب وسائر الحقوق المترتبة.
• ومن أُصيب أو استشهد نتيجة الانتهاكات، وجب تعويضه أو تعويض ذويه تعويضًا عادلًا وفق أحكام القانون.
• ومن سُلبت أمواله أو هُدمت ممتلكاته، وجب تعويضه أو إعادة حقه إليه متى أمكن ذلك.
• ومن انتُهكت كرامته أو حرماته، وجب رد اعتباره، وتوفير الحماية والدعم والتعويض بما يصون كرامته الإنسانية.
كما يقع على عاتق الدولة توفير برامج إعادة التأهيل، والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية، وضمان رد الاعتبار للضحايا وإعادة دمجهم في المجتمع.
ثالثًا: من يتحمل التعويض؟
الأصل أن يتحمل المسؤولية المدنية (التعويض) كل من ساهم في ارتكاب الجريمة، سواء كان فاعلًا أصليًا، أو شريكًا، أو محرضًا، أو متدخلًا، وذلك وفقًا للقواعد العامة في المسؤولية المدنية.
كما تمتد هذه المسؤولية إلى الأشخاص الاعتباريين والمؤسسات التي حققت ثروات غير مشروعة نتيجة استغلال النفوذ، أو الارتباط بمراكز القرار، أو الالتفاف على القوانين، أو الاستفادة من الفساد المنظم والإثراء غير المشروع على حساب المواطنين.
وفي مثل هذه الحالات، ينبغي للدولة مصادرة الأموال المتحصلة من تلك الجرائم والمجرمين بعد استكمال الإجراءات القضائية الواجبة، ويجري إيداعها في “صندوق وطني” مخصص لتعويض الضحايا، على أن يُدعم عند الحاجة من موازنة الدولة، ويُدار باستقلالية وشفافية، ويخضع لرقابة القضاء والأجهزة الرقابية؛ لضمان وصول التعويض إلى مستحقيه وتعزيز ثقة المجتمع بمسار العدالة الانتقالية.
رابعًا: إعادة الحقوق العقارية والمالية
يُعد ملف الحقوق العقارية والمالية من أكبر الملفات التي ينبغي أن تتناولها العدالة الانتقالية في سورية، لما شهدته البلاد من انتهاكات مست حقوق الملكية خلال العقود الماضية.
ويشمل ذلك إعادة النظر في الحقوق التي انتُزعت من أصحابها نتيجة:
• تشريعات استثنائية أو تطبيقات تعسفية للقانون، ومن ذلك:
• حالات الاستملاك التي لم تتحقق فيها المنفعة العامة أو لم تقترن بتعويض عادل.
• قرارات التأميم التي ترتب عليها حرمان أصحاب الحقوق من ممتلكاتهم.
• آثار الإصلاح الزراعي التي تستوجب مراجعة قانونية منصفة.
• الاستيلاء على العقارات والأموال خلال سنوات النزاع.
• الأموال المصادرة أو المجمدة استنادًا إلى قرارات لم تستوفِ الضمانات القضائية الواجبة.
ولا يعني ذلك فتح الباب أمام الفوضى القانونية أو زعزعة استقرار الملكية، وإنما إخضاع هذه الملفات لهيئات قضائية مستقلة ومتخصصة، تحقق التوازن بين استقرار المعاملات القانونية، وحق المالك الأصلي في استرداد حقه متى أمكن، أو الحصول على تعويض عادل عند تعذر ذلك.
خاتمة
المحاسبة تضع حدًا للإفلات من العقاب، وجبر الضرر يعيد للضحايا شيئًا من حقوقهم وكرامتهم، وكلاهما يشكلان ركيزة أساسية لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية تقوم على الاعتراف بالانتهاكات، وإنصاف المتضررين، وعدم تكرار المآسي.
وباعتقادي، لن يتحقق السلام المستدام في سورية إلا بإقامة عدالة شاملة لا تستثني أحدًا، ولا تظلم أحدًا، تحقق توازنًا بين حقوق الضحايا وضمانات المحاكمة العادلة، لتكون دولة القانون هي المنتصر الحقيقي بعد سنوات طويلة من الاستبداد والانتهاكات
(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

