اخبار سوريا الوطن: أسرة التحرير
غياب الأب عن الأسرة لا يعني بالضرورة غياب الاستقرار، لكنه يفرض على الأم والأبناء واقعاً جديداً يحتاج إلى كثير من الوعي والصبر وحسن إدارة الأدوار.
في كثير من الأسر التي فقدت الأب، تتحمل الأم مسؤوليات مضاعفة، بينما يجد الأبناء أنفسهم أمام فراغ عاطفي وتغيّر في نمط حياتهم، وقد يظهر ذلك في صورة غضب أو عناد أو انسحاب أو تراجع دراسي. وفي المقابل، قد تتحول مخاوف الأم على مستقبل أبنائها إلى تشدد وتوبيخ متكرر، فتدخل الأسرة في دائرة من الصدام يصعب الخروج منها.
المشكلة هنا ليست بالضرورة في «ابن سيئ» أو «أم مخطئة»، وإنما في أسرة تحاول أن تتكيف مع فقد كبير لم يكن أحد مستعداً له.
*لا تجعلوا الحزن يتحول إلى صراع
يقول بعض الاختصاصيين في علم الاجتماع والطب النفسي الذين اعتمدنا عليهم في هذه الدراسة:المراهق الذي فقد والده قد لا يعرف كيف يعبر عن حزنه أو خوفه، فيظهر ذلك أحياناً في صورة غضب أو لامبالاة أو ابتعاد عن الأسرة. لذلك فإن تفسير كل سلوك مزعج بأنه قلة احترام أو عدم إحساس قد يزيد المشكلة.
كما أن التوبيخ المستمر والعبارات الجارحة، مثل وصف الابن بأنه «غير طبيعي» أو مقارنته بالآخرين، لا تساعد على إصلاح سلوكه، بل قد تدفعه إلى مزيد من الانغلاق والعناد.
الأفضل أن يتحول الحوار من الاتهام إلى الفهم:
بدلاً من «أنت لا تهتم بنا»، يمكن القول: «أشعر أنك بعيد عنا، وأريد أن أعرف ما الذي يزعجك».
*الأم ليست مطالبة بأن تصبح أباً
من الطبيعي أن تشعر الأم بالخوف على أبنائها بعد فقد الزوج، لكن محاولة تعويض غياب الأب بالصرامة المفرطة قد تأتي بنتيجة عكسية.
الأم تحتاج إلى وضع حدود واضحة، لكنها تحتاج أيضاً إلى الاستماع والاحتواء وإعطاء الأبناء مساحة للنمو وتحمل المسؤولية تدريجياً.
وفي المقابل، لا ينبغي تحميل الابن الأكبر دور الأب لمجرد أنه أصبح في سن الشباب. يمكن أن يتحمل مسؤوليات داخل المنزل، لكن عليه أن يبقى ابناً، لا أن يشعر بأنه مسؤول عن الأسرة بأكملها.
*وأهل الأب.. سند لا جهة اتهام
قد يكون لأهل الأب دور مهم في دعم الأبناء، خصوصاً في الحفاظ على صلتهم بعائلة والدهم وذكرياتهم معه.
لكن هذا الدور يتحول إلى عبء عندما يصبح تدخلاً في علاقة الأم بأبنائها أو عندما تتحول الخلافات إلى تبادل للاتهامات.
الأبناء يحتاجون إلى أن يسمعوا من جميع الكبار رسالة واحدة:
«نحن نختلف أحياناً، لكن مصلحتكم هي ما يجمعنا».
فالأسرة لا تحتاج إلى البحث عن شخص تلقي عليه مسؤولية كل مشكلة، بل إلى تعاون يساعدها على تجاوزها.
*التعليم يحتاج إلى بيت هادئ
بعد فقد الأب، ينبغي ألا يتحول مستقبل الأبناء الدراسي إلى مصدر إضافي للتوتر.
المطلوب روتين واضح للدراسة والنوم والراحة، مع متابعة النتائج بهدوء وتشجيع الأبناء بدلاً من تهديدهم أو إشعارهم بالفشل.
وإذا بدأ الحزن أو الخلاف الأسري يؤثر في التحصيل الدراسي، فمن المفيد التواصل مع المدرسة أو مرشد تربوي موثوق، وعدم انتظار تفاقم المشكلة.
*الابنة أيضاً تحتاج إلى الاهتمام
في أجواء الصراع بين الأم والابن، قد تصبح الابنة المراهقة الطرف الذي لا يلتفت إليه أحد.
لذلك تحتاج هي الأخرى إلى وقت للحوار، وإلى الشعور بالأمان، وإلى مساحة للتعبير عن حزنها ومخاوفها، بعيداً عن أن تكون طرفاً في الخلافات بين أفراد الأسرة.
**قواعد بسيطة قد تعيد الهدوء إلى البيت
* لا للإهانة أو الشتائم أو التحقير.
* لا لاستخدام الأب المتوفى في الخلافات.
* لا للمقارنات بين الأبناء وأقرانهم.
* تحديد مسؤوليات واضحة لكل فرد.
* تخصيص وقت للحوار الهادئ بعيداً عن الهواتف والمشتتات.
* احترام خصوصية الأبناء مع متابعة سلوكهم ودراستهم.
* عدم مناقشة المشكلات الكبيرة أثناء الغضب.
* الاستعانة بمختص نفسي أو اجتماعي عند الحاجة.
ولا يعني طلب المساعدة من مختص أن أحد أفراد الأسرة «مريض»، بل قد يكون خطوة حكيمة لحماية الأسرة قبل أن تتسع الفجوة بين أفرادها.
*لا تبحثوا عن مذنب
في الأسر التي فقدت الأب، قد تكون الأم متعبة وخائفة على المستقبل، وقد يكون الابن غاضباً أو مرتبكاً، وقد تكون الابنة بحاجة إلى من يسمعها. وكل واحد منهم يتعامل مع الفقد بطريقته.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس: من المسؤول عما وصلنا إليه؟
بل: كيف نستعيد هدوء البيت ونمنح أبناءنا فرصة ليكبروا بأمان؟
لا يستطيع أحد أن يعيد الأب إلى البيت، لكن بإمكان الأسرة أن تعيد إلى البيت شيئاً من الأمان والاحترام والدفء.
وهذا ربما يكون أفضل ما يمكن أن نقدمه لأبناء فقدوا أحد أهم أعمدة حياتهم

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
