بقلم: د. سلمان ريا
لم يعد من الممكن قراءة أي حدث أمني في دمشق بمعزل عن المشهد الإقليمي والدولي الأوسع. فالانفجارات التي تتكرر في العاصمة السورية، مهما اختلفت الجهات المنفذة أو الدوافع المباشرة، لم تعد مجرد أحداث أمنية محلية، بل أصبحت رسائل متعددة المستويات، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع صراعات القوى الإقليمية والدولية.
وقد أثار الانتباه تزامن الانفجارين الأخيرين مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق. ومن الطبيعي أن يثير هذا التزامن أسئلة سياسية، إلا أن المنهج التحليلي الرصين يقتضي التمييز بين التزامن الزمني ووجود علاقة سببية. فليس كل تزامن دليلاً على وجود تنسيق أو قصد، لكنه، في الوقت نفسه، يدفع الباحث إلى التساؤل عن الجهات التي قد تستفيد من إرسال رسائل أمنية في توقيت دبلوماسي بالغ الحساسية.
فالزيارات الرئاسية، ولا سيما عندما تتعلق برئيس دولة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، تمثل حدثاً سياسياً ذا دلالات تتجاوز البروتوكول، إذ تحمل في طياتها رسائل اعتراف، أو انفتاح، أو اختبار لمسارات سياسية جديدة. ولذلك فإن أي حادث أمني يتزامن معها يكتسب تلقائياً بعداً رمزياً، سواء أكان مقصوداً أم جاء نتيجة ظروف مستقلة.
ومن زاوية أخرى، أثار غياب استقبال الرئيس السوري المؤقت للرئيس الفرنسي في المطار نقاشاً واسعاً حول الأعراف الدبلوماسية. فمن المعروف أن بروتوكولات الاستقبال تخضع عادة لترتيبات متفق عليها بين الدول، وقد تختلف باختلاف طبيعة الزيارة، سواء كانت زيارة دولة، أو زيارة عمل، أو زيارة خاصة، كما تتأثر بالاعتبارات الأمنية والداخلية. لذلك فإن عدم الحضور الشخصي في المطار لا يمكن اعتباره، بحد ذاته، مؤشراً قاطعاً على وجود أزمة سياسية أو فتور في العلاقات، لكنه يبقى تفصيلاً قابلاً للتأويل، خصوصاً في منطقة اعتادت قراءة الرسائل السياسية من خلال الرموز والإشارات بقدر ما تقرؤها من خلال التصريحات الرسمية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل ما يجري في سوريا عن المشهد الإقليمي الذي يشهد إعادة تشكل واضحة لموازين القوى. فلبنان يعيش أزمة سياسية واقتصادية وأمنية ممتدة، بينما تواجه إيران ضغوطاً متعددة المستويات، تشمل العقوبات، والملف النووي، والتنافس الإقليمي. أما البحر الأحمر، فقد تحول إلى ساحة تنافس عسكري وتجاري تؤثر مباشرة في طرق التجارة العالمية، في حين تواصل دول الخليج محاولاتها لتحقيق توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي والمحافظة على الاستقرار الأمني.
أما الحرب في أوكرانيا، فقد تجاوزت منذ زمن كونها نزاعاً إقليمياً، لتصبح إحدى ساحات الصراع على شكل النظام الدولي المقبل. فالمواجهة هناك ليست فقط بين روسيا وأوكرانيا، بل بين رؤيتين مختلفتين لترتيب العالم: الأولى تسعى إلى الحفاظ على النظام الدولي الذي تهيمن عليه القوى الغربية، والثانية تدفع نحو نظام أكثر تعددية تتوزع فيه مراكز القوة بين عدة أقطاب.
وفي هذا السياق، تبدو منطقة الشرق الأوسط واحدة من أهم ميادين اختبار هذا التحول. فكل قوة دولية تحاول تثبيت حضورها عبر التحالفات، والاستثمارات، والاتفاقيات الأمنية، وأحياناً عبر إدارة الأزمات أو احتوائها. ولهذا فإن كثيراً من التطورات المحلية تحمل أبعاداً تتجاوز حدود الدولة التي تقع فيها.
ومن هنا يمكن فهم الانفجارات أو التصعيدات الأمنية بوصفها أدوات قد تستخدمها أطراف مختلفة لتحقيق أهداف متباينة. فقد يسعى بعض الفاعلين إلى عرقلة مسار سياسي ناشئ، أو التشكيك بقدرة السلطة على فرض الأمن، أو توجيه رسائل إلى أطراف خارجية، أو تحسين شروط التفاوض في ملفات أكبر. وفي المقابل، قد تقع أحداث أمنية لأسباب داخلية بحتة، دون أن تكون جزءاً من استراتيجية إقليمية أو دولية، وهو احتمال لا يجوز استبعاده قبل ظهور الأدلة.
لذلك فإن القراءة الاستراتيجية الرصينة لا تنطلق من نظرية المؤامرة، ولا من افتراض البراءة المطلقة، بل من تحليل المصالح، وتوازنات القوى، والسياق الزمني، مع الاعتراف بأن كثيراً من المعلومات الحاسمة تبقى غير متاحة للرأي العام إلا بعد سنوات.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فهناك مشاريع لإعادة رسم خرائط النفوذ، وإعادة بناء التحالفات، وإعادة تعريف أدوار القوى الإقليمية. وفي مثل هذه المراحل الانتقالية، تكثر الرسائل الأمنية، والضغوط السياسية، والمناورات الدبلوماسية، لأن كل طرف يسعى إلى تحسين موقعه قبل أن تستقر معادلات المرحلة الجديدة.
وفي ضوء ذلك، فإن الحكمة تقتضي عدم الانجرار وراء القراءات الانفعالية أو الأحكام القطعية. فالمشهد أكثر تعقيداً من أن يُفسَّر بعامل واحد أو بفاعل واحد. والأقرب إلى الواقع أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة توازن شاملة، تتداخل فيها المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والاستراتيجيات الدولية.
ويبقى الثابت أن استقرار سوريا، كما استقرار لبنان والعراق وسائر دول المشرق، لا يخدم شعباً بعينه فحسب، بل يصب في مصلحة الأمن الإقليمي والدولي. وكل خطوة نحو الحوار، وتخفيف التصعيد، واحترام القانون الدولي، تبقى أكثر جدوى من منطق الرسائل الأمنية المتبادلة، لأن التجارب أثبتت أن الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء الثقة، وتعزيز المؤسسات، وفتح مسارات سياسية قادرة على استيعاب التنافس بدلاً من تحويله إلى صراع دائم.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

