المهندس نضال رشيد بكور
من وجهة نظري فإن أخطر ما يواجه الدول الخارجة من الحروب ليس فقط الدمار
بل السؤال الذي يأتي بعد توقف الرصاص:
كيف يمكن بناء السلام دون دفن الحقيقة؟
وكيف يمكن تحقيق العدالة دون فتح أبواب انتقام لا تنتهي؟
وحول مفهوم العدالة الانتقالية سأتناول هنا تجربتين تُعتبران من أشهر التجارب في العالم المعاصر :
تجربة رواندا ، وتجربة جنوب أفريقيا.
وهما تجربتان وُلِدتا من الدم ، لكن كل واحدة منهما اختارت طريقاً مختلفاً للعبور نحو المستقبل.
في رواندا وبعد الإبادة الجماعية عام 1994 اتجهت الدولة إلى نموذج يقوم على الحسم الصارم وإعادة فرض هيبة الدولة بسرعة.
فتمت محاكمات واسعة وإنشاء محاكم شعبية محلية ، ومنع أي خطاب يعيد إنتاج الانقسام العرقي
مع بناء سلطة مركزية قوية اعتبرت أن الاستقرار أولاً وأن منع عودة الفوضى أهم من الدخول في جدالات سياسية طويلة .
نجحت رواندا في تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة والتنمية الاقتصادية بشكل لافت لكنها دفعت ثمناً يتمثل في مركزية شديدة،ومساحة سياسية ضيقة نسبياً ، وخوف دائم من عودة الانقسامات القديمة.
أما جنوب أفريقيا ، فقد اختارت طريقاً مختلفاً تماماً بعد نهاية نظام الفصل العنصري.
بدلاً من سياسة *الغالب والمغلوب* تم إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة بقيادة المطران ديزموند توتو وبرعاية الرئيس نيلسون مانديلا
الفكرة هناك لم تكن قائمة على الانتقام
بل على كشف الحقيقة أمام المجتمع .
الاعتراف العلني بالجرائم ، وسماع الضحايا ، ومحاولة بناء وطن يستطيع أن يعيش فيه الجميع دون أن يتحول المستقبل إلى استمرار للحرب بأشكال جديدة.
هذا النموذج منع انفجار جنوب أفريقيا في حرب أهلية ، لكنه ترك أيضاً شعوراً لدى بعض الضحايا بأن الحقيقة لم تترافق دائماً مع عدالة كافية.
أما سوريا فأعتقد أنها لا تحتمل استنساخ أي تجربة بشكل كامل.
فهي ليست رواندا وليست جنوب أفريقيا.
بل حالة أكثر تعقيداً وتشابكاً ، بسبب طول الحرب ، وتعدد الأطراف ، والتدخلات الخارجية ، والانقسامات الاجتماعية العميقة وحجم الألم المتراكم لدى السوريين جميعاً.
لذلك أرى أن الأنسب لسوريا ربما يكون نموذجاً هجيناً يجمع بين :
حزم الدولة في منع الفوضى والسلاح والانفلات
وبين المصارحة المجتمعية وكشف الحقيقة ومنع الانتقام الجماعي.
فالعدالة الانتقالية ليست مجرد محاكم وليست مجرد عفو.
إنها عملية دقيقة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ، وبين الناس أنفسهم.
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول العدالة إلى ثأر جماعي ، أو أن يتحول التسامح إلى تجاهل كامل لحقوق الضحايا.
فالبلدان لا تنهار فقط بسبب الظلم
بل قد تنهار أيضاً عندما يُدار الألم بلا حكمة.
وفي النهاية أعتقد أن سوريا اليوم تحتاج إلى عدالة تمنع تكرار المأساة لا إلى عدالة تعيد إنتاجها بصيغ جديدة.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
