الرئيسية » ثقافة وفن » جيهان مصطفى… من مقامات العروج… إلى «خبأته في قلبي»… إلى محراب اليقين

جيهان مصطفى… من مقامات العروج… إلى «خبأته في قلبي»… إلى محراب اليقين

 

بقلم: علي نفنوف

 

في حضور الفرح البعيد، تلتقي الأرواح كفكرة تترك في الذاكرة انطباعًا لا يمحوه الغياب ولا جغرافيا الجفاء. فعلى الرغم من ندرة لقاءاتي المباشرة وتواصلي الشحيح إلى درجة كبيرة مع الأديبة والكاتبة السورية جيهان عدنان مصطفى، إلا أن خيطًا إنسانيًا وثيقًا يربطني بفضائها الثقافي؛ إذ تجمعني بزوجها الفاضل، الإنسان النادر، صداقة قديمة وزمالة عمل، حين كان مديرًا لمؤسسة وطنية تشرفت بالاشتغال فيها سابقًا. وأذكر تمامًا كيف تشرفت بلقائهما معًا ذات فرح، في حفل زفاف يخص عائلتي، حيث كان حضورهما يفيض بالأناقة البالغة والجمال الآسر الذي يترك في المكان هالة من النبل والوقار. ومنذ ذلك الحين، وأنا أتابع من بعيد هذا القلم المتميز الذي يخط بالأخضر لنفسه مسارًا إبداعيًا لافتًا في المشهد الأدبي السوري.

 

فمن جغرافيا صافيتا، تلك المدينة الساحلية الوادعة الحاضنة للضباب والقلعة والضوء الشفيف، انبثقت جيهان مصطفى كأيقونة فكرية شابة، تعجن وعيها في أتون زمن استثنائي مباغت بالتحولات. لم تكن دراستها الأكاديمية ونيلها الإجازة في اللغة العربية وآدابها مجرد عبور وظيفي نال قشرة المعرفة، بل كانت تذكرة إبحار غاصت بها في فلسفة الجمال، مستنطقةً النظريات اليونانية والوجودية القديمة والحديثة. المطالعة بالنسبة إليها ليست ترفًا أو فانتازيا؛ فمطالعتها كالسفينة المتمردة التي تشق بها عباب ثقافات الشعوب، لتجعل من القراءة خزانًا طاقويًا يمد مدادها بالقدرة على تفكيك التراكيب المستعصية للنفس الإنسانية المعذبة.

 

يتوزع حراكها الثقافي والمجتمعي في التراب والناس والضوء المتجدد؛ تنقلت لعامين بين دفء الطفولة مديرةً لـ«منتدى الشموع للأطفال»، واحتضنت قلق الحرف والكلمة عبر إدارتها للمنتدى الأدبي في صافيتا. وفي أروقة قصر الثقافة في صافيتا، وقفت كناقدة وموجّهة ومشرفة على منتدى «إشراقات أدبية… مواهب واعدة»، لتأخذ بأيدي الهواة والشعراء الشباب نحو محراب النضج الأدبي، بالتوازي مع نشر نصوصها وقصائدها المشحونة بالتوتر والبوح في كبريات الصحف الرسمية السورية، كجريدتي تشرين والثورة.

 

إن الأسلوب السردي عند جيهان مصطفى يرتكز على هندسة أسلوبية بالغة الدقة والتكثيف، تكره الحشو والزوائد. تميل في بنائها الروائي إلى تقليص الحشد البشري والاتكاء على المونولوج الداخلي المكثف، والاشتغال على الهواجس العميقة والتساؤلات النفسية الكبرى التي تمس توازن الإنسان المعاصر بين الطغيان المادي والضمور الروحي. لغتها الروائية مقطّرة من الجملة الشاعرية المبتكرة؛ لغة منتقاة ومحفورة بسكين النقد الذاتي، ترفض محاكاة الأنماط الجاهزة، وتحرث في فضاء الاغتراب الإنساني لتبحث عن اليقين، وتطرح تداعيات الأزمة السورية وارتداداتها السياسية والاجتماعية في أعمالها، مثل روايتها الأولى «خبأته في قلبي»، دون الوقوع في شباك التقريرية الصحفية، حيث تفتح النوافذ دائمًا نحو عتبات الأمل والتجاوز الإنساني العظيم.

 

وقد تناهى إلى مسامعنا مؤخرًا إعلان ولادة كتابها الثاني، ديوان «العروج الأخير»، الصادر عن دار أعراف للنشر والتوزيع. ومع أنني لم أقرأ الكتاب بعد، ولم تصلني نسخة منه حتى اللحظة، إلا أن الأصداء المحيطة بهذا الإصدار وما نُشر في موقع اخبار سوريا الوطن امس تشي بأنه يمثل معراجًا صوفيًا وانبثاقًا وجدانيًا من جرح استثنائي وفجيعة باغتت الكاتبة برحيل والدها في صيف 2023. يبدو الكتاب في عمومه، واستنادًا إلى مقاربات الكاتبة الفكرية، بمثابة سجال روحي يتجاوز الرثاء التقليدي ليحط في محراب اليقين، متوسلًا بالتناص الديني والمناجاة الوجدانية، ليعبر بالروح من ظلال التيه نحو سماوات شُيّدت بأعمدة الحب والخير والجمال. إننا في انتظار مصافحة هذا العمل، ليقيننا أن حروف جيهان مصطفى لا تكف عن الدوران نحو الضياء الشفيف…

 

وكأن القدر يقول إن خلف كل انبعاث أنثوي ناهض، هنالك سند نادر.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أمل لايقة.. البراكين التي تمشي على عجلتين!

  علي صقر   لو كانت البراكين تتكلم لما انفجرت.. لكن الأديبة الصديقة أمل لايقة، وعلى عجلتين من الكاوتشوك، تقرر يومياً أن تفجّر ينابيع من ...