رماح إسماعيل
في ظل «العربدة» الإسرائيلية، يتبنى الاحتلال سياسات ميدانية تقوم على فرض وقائع أحادية الجانب تحت مسميات مختلفة، من بينها ما يُعرف بـ«الخطوط الصفراء». هذه السياسة، التي تُطرح كإجراء أمني، تعكس في جوهرها نزعة توسعية تهدف إلى إعادة رسم حدود النفوذ خارج الأطر القانونية الدولية، وفرض ترتيبات ميدانية بالقوة، سواء في غزة أو جنوب لبنان أو سوريا.
ما حاولت إسرائيل فرضه بالقوة في غزة بالاعتماد على التدمير ومسح معالم القطاع، تحاول اليوم تطبيقه في لبنان عبر استنساخ التجربة ذاتها، غير أنّ المعطيات في الميدان تؤكد صعوبة بلوغ إسرائيل هذا الهدف في الجنوب، في ظل وجود المقاومة واستراتيجياتها القتالية. أما في سوريا فالأمر مختلف لربما في آلية التنفيذ التي لا تعتمد على التدمير في ظل انعدام المجابهة من قبل الجانب السوري، وحرية الحركة بين القرى الحدودية جنوباً وإنشاء النقاط.
سوريا والعدو
في الحالة السورية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً من التجارب الأخرى. فبحسب مصدر عسكري سوري لـ«الأخبار»، لا يوجد حتى الآن «خط أصفر» بالمعنى العملياتي، بل ما يجري أقرب إلى نموذج «النقاط الخمس» الذي اعتمدته إسرائيل في لبنان، ولكن بنسخة موسّعة. إذ تنتشر القوات الإسرائيلية في ما بين 11 إلى 13 نقطة عسكرية على امتداد يقارب 80 كيلومتراً، بمحاذاة خط وقف إطلاق النار السابق، من جبل الشيخ وصولاً إلى حوض اليرموك عند المثلث الحدودي السوري-الأردني المتداخل مع الجولان.
حتى الآن لا يوجد «خط أصفر» بالمعنى العملياتي بل ما يجري أقرب إلى نموذج «النقاط الخمس» الذي اعتمدته إسرائيل في لبنان
تشمل هذه النقاط مواقع استراتيجية عدة، منها «نقطة الحميدية» في ريف القنيطرة الأوسط، وتل أحمر الغربي والشرقي في ريف القنيطرة الجنوبي، إضافة إلى مهبط مروحيات مستحدث في بلدة حضر. كما تسيطر القوات الإسرائيلية على قمة جبل الشيخ، وهي الأعلى في سوريا، إلى جانب مواقع أخرى مثل الكسارات في جباتا الخشب، ومناطق قرب سد كودنة وسد المنطرة، فضلاً عن ثكنة معرية ضمن ما يُعرف بمشروع «المنطقة العازلة».
وعلى الرغم من هذا الانتشار، يختلف الواقع في جنوب سوريا عن نظيريه في غزة ولبنان من حيث طبيعة الوجود العسكري. فلا تزال القرى السورية مأهولة بسكانها، كما أن الوجود الإسرائيلي يقتصر على وحدات مشاة وقوات خاصة، مثل وحدة «شلداغ»، إضافة إلى فرق هندسية مختصة بإزالة الألغام والعبوات الناسفة، في غياب ملحوظ للدبابات الثقيلة أو منظومات المدفعية والتجسس واسعة النطاق.
الوقع المتغيّر لـ«الخط الأصفر»
لكن هذا الواقع يبقى قابلاً للتغيير في أي لحظة. ففي حال قررت إسرائيل إعلان «خط أصفر» رسمي في سوريا، فإن ذلك سيعني عملياً فرض سيطرة كاملة على المنطقة العازلة التي توغلت فيها منذ انهيار مؤسسات الدولة في بعض المناطق. هذه المنطقة تمتد بعمق يتراوح بين 3 و10 كيلومترات داخل الأراضي السورية، وعلى طول 80 كيلومتراً، وتشمل أكثر من 30 قرية تمتد من ريف دمشق الجنوبي إلى القنيطرة.
وتبرز حساسية إضافية في منطقة جبل الشيخ، حيث توجد قرى درزية قد لا تكون ضمن المخطط الحالي، إلا أن إسرائيل قد تستخدم ذريعة «حماية الأقليات» لتوسيع نطاق سيطرتها، وهو خطاب سبق أن استُخدم في سياقات مشابهة. في هذا الإطار، ينشط «مجلس التنسيق الدرزي» في الأراضي المحتلة عبر تنفيذ مشاريع خدمية داخل القرى الدرزية القريبة من المنطقة العازلة، مثل إنشاء أفران ومستوصفات وترميم مدارس، ما يعكس محاولة لبناء نفوذ اجتماعي موازٍ للوجود العسكري.
في حال قررت إسرائيل إعلان «خط أصفر» رسمي في سوريا فإن ذلك سيعني عملياً فرض سيطرة كاملة على المنطقة العازلة
إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى مبررات لتكريس هذا الواقع، إلا أنها تبقى مرتبطة بحسابات دولية، لا سيما الموقف الأميركي من الملف السوري. ومع ذلك، فإن أي عملية عسكرية نوعية قد تنطلق من الأراضي السورية باتجاه إسرائيل قد تشكل ذريعة جاهزة لإعلان هذا «الخط الأصفر» بشكل رسمي.
في المقابل، تفسر هذه المعطيات جزئياً تصاعد وتيرة العمليات الأمنية التي تنفذها السلطات السورية في المناطق الجنوبية، حيث تعلن بشكل متكرر عن تفكيك خلايا واعتقال مجموعات تتهمها بالارتباط بالمقاومة والسعي لزعزعة الاستقرار. وهي إجراءات تبدو، في أحد أوجهها، محاولة لاحتواء أي تصعيد محتمل قد يُستغل لتبرير توسيع السيطرة الإسرائيلية.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
