بقلم: م. حسان نديم حسن
لم تكن المصافحة الخاطفة التي جمعت المفاوضين في ختام جولة مسقط الأخيرة سوى لقطة فوتوغرافية عابرة في مسار أزمة ممتدة منذ عقود. فالهدنة التي أُعلن عنها في يونيو 2026، بعد مئة وسبعة أيام من التوتر العسكري المتصاعد الذي حبس أنفاس الشرق الأوسط والعالم ، لا تعدو كونها اتفاق ضرورة لا اتفاق إرادة، وفرصة مؤقتة التقت فيها مصالح الخصوم على حافة الهاوية.
فالجلوس إلى الطاولة أملته حسابات رقمية وسياسية معقدة على جبهتي النزاع؛ إذ جاءت التهدئة كمحاولة لالتقاط الأنفاس في طهران تحت وطأة اختناق اقتصادي حاد، واجهت فيه العملة الإيرانية موجات تضخم غير مسبوقة جراء الحصار البحري الأخير، فضلاً عن شح النقد الأجنبي الذي بات يهدد العصب الإنتاجي للبلاد. وفي المقابل، وجد البيت الأبيض نفسه أمام حسابات داخلية بالغة الحساسية؛ فالدخول في مواجهة مفتوحة واسعة النطاق يعني قفزة جنونية في أسعار الطاقة العالمية، وكلفة بشرية واقتصادية باهظة لا أحد يملك ضمان سقفها في صناديق الاقتراع.
هنا اجتمع طرفان لا يثق أحدهما بالآخر، لا لجدوى الحوار، بل لأن كلفة الاستمرار في المواجهة المباشرة بدت لكليهما أثقل مما يمكن احتماله.
تحمل التفاهمات الإجرائية لهذه المذكرة الأولية قدراً من الوضوح التشغيلي المتبادل، يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، وإزالة العوائق التقنية أمام ناقلات النفط والتجارة الدولية، ووقف كامل للعمليات العسكرية المباشرة، مقابل تجميد إيران لمستويات تخصيب اليورانيوم الحالية، مع إعفاءات أمريكية فورية تتيح لطهران تصدير حصص من نفطها والإفراج المشروط عن جزء من أرصدتها المجمدة. لكن ما يغيب عن النص المعلن هو الأهم دائماً؛ فلا توجد حتى الآن آليات تحقق صارمة أو ضمانات ملزمة تمنع الانقلاب على التفاهمات. والأهم من ذلك غياب الإجابة الجوهرية عن السقف الزمني والنهائي للطموح النووي الإيراني، ما يجعل الاتفاق أداة لإدارة الأزمة لا لحلها.
تنتظر المفاوضين، خلال الأيام الستين المقبلة، حقول ألغام دبلوماسية متمثلة في ثلاثة ملفات شديدة التعقيد. يبرز أولها الملف النووي وسقف التخصيب؛ إذ تصر واشنطن على تفكيك البنية التحتية للتخصيب عالي النقاء وإخراج المخزون الحالي خارج الحدود الإيرانية، بينما تتمسك طهران ببرنامجها وتعتبر أي مساس بنسب التخصيب تنازلاً يمس سيادتها الوطنية ومنطق الردع الخاص بها.
ويأتي ثانياً ملف الترسانة الباليستية والطائرات المسيّرة، الذي بات ورقة الضغط المحورية لإيران في الإقليم. وترفض طهران بشكل قاطع إدراج هذا الملف في أي مسار تفاوضي منفصل ما لم تحصل على ضمانات أمنية إقليمية شاملة ومكتوبة تنزع القلق من عمقها الدفاعي.
أما ثالثاً، فهو ملف النفوذ الإقليمي وشبكة الحلفاء الممتدة من اليمن عبر العراق وصولاً إلى لبنان. فبينما تبحث واشنطن عن فك الارتباط بين هذه الساحات وطهران كشرط للرفع الدائم للعقوبات، يرى التيار المحافظ في إيران أن هذا النفوذ يمثل خط الدفاع الأول عن أمن البلاد القومي، ولا يمكن طرحه للمساومة.
ورغم غياب إسرائيل عن طاولة المفاوضات المباشرة، فإن ظلها يبدو حاضراً في كل التفاصيل؛ إذ تراقب تل أبيب هذه الهدنة بعين الريبة والقلق البالغين، بعد أن راهنت استراتيجيتها على انعدام المساحات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران ووصول الطرفين إلى نقطة اللاعودة.
وفي حال أفضت هذه الأيام الستون إلى تفاهمات أوسع تضمن رفعاً دائماً للعقوبات الاقتصادية الإيرانية، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام واقع إقليمي جديد يعيد رسم خريطة التهديد في المنطقة، بواقع لم تشارك في وضع خطوطه العريضة.
في المحصلة، نجحت الدبلوماسية في كسب الوقت، لكن الوقت وحده لا يصنع السلام. فالجهود الدولية التي أبعدت شبح الانفجار العسكري الشامل لم تبدأ بعد في تفكيك جذور الأزمة المزمنة. وما لم تنتج المهلة الزمنية المحددة بستين يوماً تفاهمات جوهرية تخترق جدار القضايا الكبرى، فإن المنطقة لن تكون أمام نهاية للأزمة، بل أمام استراحة محارب تسبق جولة جديدة وموسعة من الصراع.
لتبقى القاعدة الحاكمة في أعراف السياسة الدولية أن الهدنة التي لا تتحول إلى سلام، تتحول في الغالب إلى إعداد أفضل للجولة القادمة من الحرب
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

