آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » سوريا الجديدة واختبار الدولة

سوريا الجديدة واختبار الدولة

محمد فيصل الدوسري ​

 

الاعتداء على البعثة الديبلوماسية الإماراتية في دمشق يضع سوريا الجديدة أمام لحظةٍ مهمة في مسار الدولة الوطنية. فحماية البعثات ليست مجرد إجراءٍ شكلي، بل من صميم هيبة الدولة وقدرتها على فرض الأمن وحماية علاقاتها الخارجية. وقد جاء هذا الاعتداء في وقتٍ تعمل الدولة السورية على تثبيت صورةٍ مختلفة للبلاد بعد سنوات الفوضى والتبعية للمشروع الإيراني.

 

وما جرى لا ينسجم مع مصلحة سوريا نفسها. فالدولة التي تسعى إلى الخروج من العزلة، واستعادة ثقة محيطها العربي، وجذب الدعم والاستثمار، لا تتحمل أن تبدو عاجزةً عن حماية بعثةٍ لدولة عربية اختارت الوقوف إلى جانبها في هذه المرحلة. وعندها لا يعود الاعتداء مجرد خرقٍ أمني، بل يصبح مؤشراً سلبياً إلى حجم التحدي الذي تواجهه دمشق في تثبيت هذا الاتجاه.

 

 

 

محاولة خلط الأوراق

لكن الإنصاف يقتضي التفريق بين أمرين، هناك تعاطف سوري شعبي مع القضية الفلسطينية، وهذا لا يحتاج إلى تفسيرٍ ولا مزايدة. وهناك في المقابل من يحاول استثمار هذا المناخ لخلط الأوراق، وتحويله إلى منصةٍ لاستهداف الإمارات وضرب أي مسارٍ عربي يعيد سوريا إلى الاستقرار ويفتح أمامها طريق التنمية والازدهار. هذا الخلط هو الخطر الحقيقي، لأنه لا يدافع عن قضيةٍ عادلة، بل يستخدمها ستاراً لشد سوريا مجدداً إلى أجنداتٍ عابرة للحدود دفعت البلاد ثمنها غالياً.

 

 

 

من هنا لا ينبغي قراءة أعمال الشغب ومحاولة تخريب الممتلكات والاعتداء على البعثة الإماراتية في دمشق بوصفها إساءة إلى الإمارات فحسب، بل بوصفها استهدافاً لمسارٍ أوسع تحاول سوريا أن تستعيد من خلاله موقعها العربي. فالعلاقة مع أبوظبي ليست مسألة ثنائية فحسب، بل مدخل إلى فضاءٍ عربيّ ودولي أوسع، بحكم الثقل السياسي والاقتصادي الذي تمثله الإمارات وحضورها الاستثماري والمؤسسي شرقاً وغرباً. ولهذا تبدو الإمارات في هذه المرحلة ركيزةً عربية تحتاجها دمشق، لا لأنها تتعامل مع الملف بردود فعلٍ ظرفية، بل لأنها تنظر إلى استقرار سوريا بوصفه مصلحةً عربية، وإلى إعادة وصلها بمحيطها الطبيعي بوصفه ضرورةً سياسية واقتصادية وأمنية.

 

 

 

رسالة سياسية

كان الاتصال بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس السوري أحمد الشرع بعد الحادث في حدّ ذاته، رسالةً سياسية. فهو أكد أن العلاقة بين البلدين أوسع من أن تعطلها مجموعات غوغائية أو أجندات تريد العبث بالمرحلة. لكن أهمية هذا التواصل لا تقف عند احتواء الحادث، بل تتصل بحماية المسار نفسه. ومن هنا فإن المطلوب من سوريا الجديدة ليس الاكتفاء بالإدانة، بل إثبات أن هذا المسار العربي والتنموي الذي تتحدث عنه قادر على حماية نفسه على الأرض، وأن الدولة قادرة على ضبط ساحتها ومنع تحويل الشارع أو الشعارات إلى أداةٍ للإضرار بعلاقاتها العربية ومصالحها الاقتصادية.

 

 

لا تواجه سوريا الجديدة تحدي إعادة الإعمار أو بناء المؤسسات فحسب، بل تواجه أيضاً تحدي حماية خيارها السياسي من قوىً لا تريد لها أن تغادر مربع الأزمات. هناك من لا يناسبه أن تستعيد دمشق علاقتها بالعرب، ولا أن تخرج من وظيفة المحور، ولا أن تتحول إلى دولةٍ تبحث عن الاستقرار بدل الاستثمار في الفوضى.

 

 

 

لهذا، فإن الاعتداء على البعثة الإماراتية يجب أن يُقرأ في حجمه الحقيقي. إنه اختبار مبكر لمعنى الدولة في سوريا الجديدة. فإذا كانت دمشق تريد فعلاً أن تقنع الداخل والخارج بأنها دخلت مرحلةً مختلفة، فعليها أن تثبت ذلك بوضوح، لا دفاعاً عن البعثات الديبلوماسية فحسب، بل عن فكرة سوريا نفسها، وعن حقها في أن تخرج من زمن العبث إلى زمن الدولة.

 

 

 

*كاتب إماراتي

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بداية صحوة أمريكية..

  كتب محمد خير الوادي : عام ٢٠٠٢ ، ألقى نتنياهو ، وكان -آنذاك وزير خارجية في حكومة شارون -كلمة امام الكونغرس الأمريكي ، دعا ...