كتب:أنس جودة
التوصيف الواقعي والقانوني للكارثة المائية التي شهدها شمال شرق سوريا يبدأ من حقيقة أساسية لا يجوز القفز فوقها؛ تركيا فتحت بوابات سد أتاتورك على نهر الفرات بشكل مفاجئ، فأطلقت كميات ضخمة من المياه تجاوزت المعدلات المتعارف عليها 3-5 أضعاف، وتجاوزت التدفقات الفعلية المعتادة بما يقارب 5-8 أضعاف . وكانت النتيجة فيضانات واسعة في محافظات دير الزور والرقة أدت إلى وفاة ستة أطفال، وأخرجت خمسين محطة مياه من الخدمة، وأغرقت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، ناهيك عن النزوح والتهجير.
الانطلاق من هذا التوصيف ضروري لفهم ما جرى والتعامل معه قانونياً وسياسياً وإنسانياً. أما اختزال ما حدث في كونه مجرد كارثة بيئية أو ظاهرة طبيعية فهو تجاهل للسبب المباشر الذي أدى إلى وقوعها. فالطبيعة قد تفسر الأمطار، لكنها لا تفسر قرارات إدارة السدود والتصريفات المائية.
منذ عقود تدور خلافات مائية عميقة بين تركيا وسوريا والعراق حول إدارة مياه الفرات. لكن ما جرى هذه المرة يطرح بصورة جدية مسألة مسؤولية تركيا عن الأضرار التي لحقت بالسكان والبنية التحتية والقطاع الزراعي، خاصة في ظل غياب الإخطار المسبق، وعدم التشاور مع الأطراف المتضررة، وتجاهل الآثار المترتبة على هذه التصريفات داخل الأراضي السورية.
المشكلة لا تتوقف عند السلوك التركي وحده، بل تمتد إلى الطريقة التي يجري بها التعامل مع الكارثة داخل سوريا. فبدلاً من اعتبارها قضية حقوق وطنية تستوجب التوثيق والمساءلة وحفظ الحقوق، يجري التعامل معها وكأنها حادث طبيعي لا مسؤول عنه، بما يفتح الباب عملياً لإعفاء المتسببين من أي مساءلة مستقبلية. ومع ذلك، فإن حقوق السوريين لا تسقط بالصمت ولا بتبدل الحكومات. وما يجب القيام به اليوم هو توثيق كل ما جرى: الضحايا، والأضرار الزراعية، والخسائر الاقتصادية، وتعطل البنية التحتية، وجمع الشهادات والأدلة الفنية والقانونية. فالقضية الأساسية ليست فقط ما حدث، بل ضمان ألا يضيع حق السوريين في المطالبة بالمساءلة والتعويض مستقبلاً. الحقوق تبدأ من التوصيف الصحيح للوقائع، وأول خطوة نحو العدالة هي تسمية الأشياء بأسمائها.
سوريا لك السلام
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

