فؤاد الوادي
دخلت سوريا بعد التحرير مرحلة جديدة من التحديات الكبيرة التي خلفها النظام المخلوع، كإرث يحتاج تفكيكه إلى سنوات طويلة، وربما إلى عقود، في ضوء السياسات الكارثية التي انتهجها وكرسها النظام لأكثر من خمسة عقود، ولا سيما تلك التي تتعلق ببناء هياكل وجبهات مؤسساتية وحزبية وهمية، لم تكن في حقيقة الأمر إلا واجهة لتثبيت دعائم نفوذه واستبداده وبقائه في الحكم “إلى الأبد”.
عبر هذه الذاكرة المتخمة بوجع الماضي، تبدأ سوريا حالة إعادة التشكل والبناء، غير محكومة لا بتجارب الماضي سيئ الذكر، ولا بتجارب الواقع الحالي في دول الجوار، لأنها ببساطة تبدو محكومة بتجربة الثورة وإرهاصاتها وطيفها الواسع الذي ترك أثره في كل حاضر السوريين ومستقبلهم.
تقدم الدولة الجديدة رؤية قائمة على التشاركية والتوافقية في صناعة القرار ورسم مستقبل سوريا، في هذه المرحلة التي تحتاج إلى ركائز ودعائم متينة وصلبة لتقف على قدميها، من أبرزها وأهمها تحقيق العدالة الوطنية ودفع عجلة التنمية والنهوض، وهذا كله قد يقف عائقا في مسار الدولة الناهضة من تحت ركام القمع والوحشية والقتل الممنهج، خلف واجهة من المؤسسات الوطنية والشعبية والحزبية التي كانت تحت إشراف وإدارة مخابرات النظام المخلوع.
أظهرت الدولة، بقيادة الرئيس الشرع، حرصا كبيرا على رسم ملامح النظام السياسي وفق استراتيجية وطنية خالصة، بعيدا عن التقسيمات الطائفية التي كرسها النظام، إذ ظهر واضحا إعلاء قيمة الوطن وقيم الثورة التي جمعت السوريين تحت هدف واحد، بعيدا عن التحاصص السلطوي الذي نهب خيرات البلد ودمر مقوماته.
إعادة إنتاج الانقسام بدل تجاوزه
ويؤكد الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور عبد الباسط أبو نبوت، في حديث إلى “الثورة السورية”، أن مسألة المحاصصة الدينية والقومية والحزبية تعد من أبرز التحديات المطروحة في النقاش حول شكل النظام السياسي في سوريا الجديدة، ففي الوقت الذي يرى فيها البعض أداة لضمان التمثيل، يرفضها الرئيس أحمد الشرع باعتبارها مدخلا لإعادة إنتاج الانقسام بدل تجاوزه.
وقال الدكتور أبو نبوت: “إن هذا الموقف لا يمكن فصله عن الرؤية والفكر السياسي للرئيس الشرع، الذي لم يكن مجرد فاعل عسكري خلال سنوات الثورة، بل كان أيضا متابعا دقيقا للتحولات السياسية في المنطقة، حيث راقب عن كثب تجربة العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، وما أعقب ذلك من اعتماد نظام المحاصصة، ليرى كيف أدى هذا النموذج إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتعميق الانقسامات، وفتح الباب أمام الفساد والتجاذبات الطائفية، كما تابع التجربة في لبنان، حيث تحولت التوازنات الطائفية إلى عامل شلل سياسي مزمن”.
من هنا، يمكن فهم رفض المحاصصة في سوريا بوصفه نتاجا لوعي سياسي متراكم، وليس مجرد موقف ظرفي، إذ يدرك الرئيس الشرع أن استنساخ نماذج أثبتت فشلها في دول الجوار لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات داخل السياق السوري.
في المقابل، وبحسب الباحث السياسي الدكتور أبو نبوت، تنطلق الرؤية المطروحة لسوريا الجديدة من فكرة بناء دولة مدنية قائمة على المواطنة، حيث تكون المؤسسات هي المرجعية، لا الانتماءات الضيقة. وهذا التوجه يكتسب أهمية خاصة إذا ما وضعناه في سياق التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب السوري على مدى أكثر من عقد من الثورة ضد نظام بشار الأسد، بما في ذلك مواجهة القمع العنيف والانتهاكات الجسيمة.
ويرى الدكتور أبو نبوت أن هذه الرؤية تستند، بشكل غير مباشر، إلى الإرث السياسي والتاريخي لسوريا، التي عرفت في مراحل سابقة، ولا سيما خلال خمسينيات القرن الماضي، حياة سياسية نشطة، ومستويات متقدمة نسبيا من الحريات والتعددية مقارنة بالمنطقة، وهو ما يعزز فكرة أن المجتمع السوري يمتلك قابلية حقيقية لإعادة بناء نموذج سياسي متقدم، مضيفا: “إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في رفض المحاصصة، بل في تقديم بديل عملي يحقق التمثيل العادل دون الوقوع في فخ التقسيم، وقد يكون ذلك عبر ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الكفاءة في مؤسسات الدولة، واعتماد لامركزية إدارية مدروسة تضمن مشاركة أوسع دون تفكيك الدولة”.
دولة المواطنة لا دولة المكونات
في هذا السياق، تبدو سوريا أمام فرصة تاريخية لصياغة نموذجها الخاص، نموذج لا يكرر أخطاء الآخرين، بل يستفيد منها، نموذج يسعى إلى تحقيق التوازن بين الاستقرار والتعددية، وبين وحدة الدولة وحقوق مكوناتها.
وفي حال نجحت القيادة السورية في ترسيخ هذا المسار، فإن ذلك لن يكون مجرد إنجاز سياسي داخلي، إنما قد يفتح الباب أمام تجربة يحتذى بها إقليميا، في منطقة لا تزال تبحث عن صيغ ناجحة لإدارة التنوع دون الانزلاق إلى الانقسام، ويكون الرئيس أحمد الشرع قد دخل التاريخ من بابه الكبير عبر إدارة ناجحة للمرحلة الانتقالية سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
ضمن هذا الإطار، يشير الدكتور أبو نبوت إلى أن مسألة المحاصصة الدينية والقومية والحزبية تعد اليوم من أكثر القضايا إثارة للجدل في النقاش حول مستقبل سوريا. فمع الحديث عن “سوريا الجديدة”، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن اعتماد نموذج تقاسم السلطة على أسس هوياتية، أم إن هذا النهج يحمل في طياته بذور الانقسام وعدم الاستقرار؟
وأكد أبو نبوت أن الرئيس الشرع عبر عن رفضه لفكرة المحاصصة، انطلاقا من رؤية تقوم على بناء دولة المواطنة، لا دولة المكونات. وهذا الرفض لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تجارب إقليمية أثبتت أن توزيع السلطة على أساس طائفي أو قومي غالبا ما يؤدي إلى تكريس الانقسام بدل تجاوزه.
في الحالة السورية، تبدو المحاصصة خيارا إشكاليا لعدة أسباب، أهمها أن المجتمع السوري، رغم تنوعه، لم يكن تاريخيا قائما على نظام سياسي طائفي صريح، كما هو الحال في بعض الدول الأخرى، وبالتالي فإن فرض نموذج المحاصصة قد يعني إعادة تشكيل المجتمع سياسيا بطريقة مصطنعة، كما أن المحاصصة قد تضعف مفهوم الدولة المركزية، وتفتح الباب أمام ولاءات فرعية تتغلب على الانتماء الوطني، وهو ما قد يهدد وحدة البلاد في مرحلة هي أصلا شديدة الهشاشة.
بالإضافة إلى أن التجربة العملية في دول الجوار تقدم دروسا واضحة؛ ففي العراق، كما أسلفنا، أدى نظام المحاصصة الذي تأسس بعد عام 2003 إلى ترسيخ الانقسام الطائفي، وإضعاف مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام الفساد السياسي، أما في لبنان، فقد أصبح النظام القائم على التوازنات الطائفية سببا دائما للأزمات السياسية والشلل الحكومي.
من هنا، يمكن فهم رفض المحاصصة كخيار استراتيجي يهدف إلى تجنب إعادة إنتاج أزمات الآخرين داخل السياق السوري.
ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي هو: كيف يمكن تحقيق تمثيل عادل لكل مكونات المجتمع دون الوقوع في فخ المحاصصة؟ وقد يكمن الجواب في بناء نظام سياسي قائم على الكفاءة، وسيادة القانون، واللامركزية الإدارية المدروسة، مع ضمان حقوق جميع المواطنين دون تمييز.
المقارنة مع دول الجوار ليست بهدف الاستنساخ، بل للاعتبار، فسوريا اليوم أمام فرصة لإعادة بناء نموذجها الخاص، نموذج يتجاوز الانقسامات، ويؤسس لدولة حديثة تقوم على المواطنة لا المحاصصة.
إن وجود الطوائف والإثنيات والأقليات والقوميات في أي مجتمع لا يعني تحويل الدولة إلى “كعكة” يتقاسمها الجميع، أو إلى حتمية تحاصصية لكل فئة تنتهي بالأحقية في السيطرة والاستغلال وإلغاء الآخر، بل إن التنوع والاختلاف في الدولة يعنيان اجتماع الجميع على هدف واحد، هو حماية الدولة وبناؤها تحت سقف المواطنة والتشاركية في العمل والإنجاز، بحسب العطاء والإبداع والموهبة والهوية الوطنية.
وفي وقت سابق، أكد الرئيس الشرع رفض المحاصصة والتقسيم السياسي في تشكيلها، مؤكدا أن التعدد الحقيقي يجب أن ينبع من مشاركة وطنية لا تخضع الكفاءة للهوية، مضيفا أن الشعب السوري يجب أن يثبت للعالم أنه شعب واحد.
وقال الرئيس الشرع: “إنه لم ولن يقبل بأي تقسيم سياسي، لأنه سيقود إلى مزيد من الانقسامات ويعطل عمل الدولة”، مشيرا إلى أن البلاد لا تزال تسير في طريق صعب، لكنه ممكن، لأن سوريا تمتلك كل المقومات التي تمكنها من إعادة البناء على أسس صلبة تشمل الاقتصاد والإدارة والخدمات.
تمثل المرحلة الحالية، فرصة أمام الجميع لإصلاح مجتمع مزقته سياسات النظام المخلوع، ولتأسيس مواطنة جامعة، وإرساء نظام سياسي جديد يضمن المساواة وتمثيل جميع الأطياف وبسط سيادة القانون. وقد مثل مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في شباط 2025، وكذلك الإعلان الدستوري الصادر في آذار من العام نفسه، خطوات أولية مهمة على هذا المسار الذي يحتاج إلى خطوات موازية له، لضمان بناء هوية وطنية جامعة، وتشاركية مجتمعية تحقق تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وتحقيق المساءلة والمحاسبة.
الكفاءة والمحاصصة
مبدأ المحاصصة الحزبية والدينية والقومية يعني توزيع المناصب والسلطة والموارد داخل الدولة على أساس الانتماء إلى حزب أو طائفة دينية أو قومية أو مكون اجتماعي، بدلا من توزيعها على أساس الكفاءة أو الانتخابات أو البرامج السياسية فقط.
بمعنى أبسط: بدلا من أن تقول الدولة إن المنصب يذهب إلى الأكفأ أو إلى من يختاره الناس عبر آلية وطنية عامة، يصبح هناك عرف أو اتفاق يقول مثلا: هذا المنصب للحزب الفلاني، وهذا للطائفة الفلانية، وهذا للقومية الفلانية، وهذه الوزارة لهذا المكون، وتلك المؤسسة لمكون آخر.
المحاصصة الحزبية تعني توزيع المناصب بين الأحزاب المشاركة في الحكم بحسب حجمها السياسي أو قوتها داخل البرلمان أو نفوذها العسكري أو الشعبي.
على سبيل المثال، حزب حصل على نسبة كبيرة من الأصوات يأخذ عددا أكبر من الوزارات، وحزب آخر يأخذ وزارة أو منصبين، وحزب ثالث يحصل على إدارة مؤسسة أو محافظة أو هيئة. في الشكل الديمقراطي الطبيعي، من المنطقي أن تشارك الأحزاب الفائزة في تشكيل الحكومة، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الدولة إلى “غنيمة حزبية”، أي تصبح الوزارات والمؤسسات ملكا للأحزاب لا للدولة. في هذه الحالة، تصبح الوزارة تابعة للحزب، والتعيينات مرتبطة بالولاء، والمال العام يتحول أحيانا إلى وسيلة لتقوية الحزب، لا لخدمة المواطنين.
أما المحاصصة الدينية فتعني توزيع السلطة بين الطوائف أو الأديان أو المذاهب، مثل أن يكون منصب رئيس الجمهورية لطائفة معينة، ورئاسة الحكومة لطائفة أخرى، ورئاسة البرلمان لطائفة ثالثة، أو أن توزع الوزارات والمقاعد النيابية والإدارات بحسب الانتماء الديني أو المذهبي.
الهدف المعلن عادة هو منع طائفة واحدة من احتكار السلطة، وطمأنة المكونات المختلفة بأنها ممثلة في الدولة. لكن المشكلة أن هذا النوع من المحاصصة يرسخ الهوية الطائفية داخل النظام السياسي، ويجعل المواطن يشعر بأن طريقه إلى الدولة يمر عبر طائفته، لا عبر المواطنة والكفاءة والقانون.
في حين أن المحاصصة القومية تعني توزيع السلطة بين قوميات أو إثنيات مختلفة داخل الدولة، مثل العرب، والأكراد، والتركمان، والبربر، والصرب، والكروات، والبوشناق، أو غيرهم، بحسب طبيعة كل بلد.
وقد تظهر هذه الصيغة في الدول المتعددة قوميا، خصوصا بعد الحروب الأهلية أو النزاعات العرقية، عندما تحاول الدولة طمأنة كل مجموعة قومية بأنها لن تهمش أو تقصى. فتخصص مناصب أو مقاعد أو صلاحيات لمكونات قومية محددة، لكن الخطر هنا أيضا أن تتحول الدولة إلى اتحاد هويات مغلقة، لا إلى دولة مواطنين متساوين.
المشكلة أن المحاصصة قد تبدو في البداية وسيلة لضمان التمثيل، لكنها مع الوقت قد تنتج دولة ضعيفة ومجزأة، لأن المسؤول لا يشعر بأنه يمثل كل المواطنين، بل يمثل حزبه أو طائفته أو قوميته. والمواطن لا يذهب إلى الدولة على أنه مواطن، بل يبحث عن وسيط من جماعته أو حزبه أو طائفته. وفي هذه الحالة، تتراجع فكرة الدولة الوطنية الجامعة، وتحل محلها فكرة “الحصص”، كحصة في الوزارة، وحصة في الجيش، وحصة في القضاء، وحصة في الموارد، وحصة في الإعلام، وحصة في الوظائف.
التمثيل العادل يعني أن تراعي الدولة تنوع المجتمع، وتمنع الإقصاء، وتفتح المجال أمام جميع المواطنين للمشاركة، لكن ضمن معيار المواطنة والكفاءة والقانون، أما المحاصصة فتعني أن يصبح الانتماء الحزبي أو الطائفي أو القومي هو أساس توزيع السلطة.
وأخطر نتائج المحاصصة أنها قد تنتج فسادا منظما، لأن كل طرف يحمي حصته. كما قد تؤدي إلى شلل سياسي، لأن أي قرار يحتاج إلى موافقة زعماء الحصص، وقد تضعف الجيش والقضاء والإدارة إذا دخلت إليها الولاءات الضيقة، وقد تجعل الانتماء الوطني أضعف من الانتماء إلى الحزب أو الطائفة أو القومية. وفي النهاية، تتحول الدولة من مؤسسة جامعة إلى ساحة تفاوض دائم بين جماعات متنافسة.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
