الرئيسية » مواهب أدبية وخواطر » صواميل القطار… حين ينهار المجتمع قبل أن ينهار القطار

صواميل القطار… حين ينهار المجتمع قبل أن ينهار القطار

 

أثناء قيام أحد الحراس بالتفتيش بالقرب من محطة للسكك الحديدية في روسيا، وجد رجلًا يقوم بفك صواميل الفلنجات التي تثبّت قضبان القطار، فاقتاده إلى قسم الشرطة للتحقيق معه.

المحقق: هل تعلم مدى خطورة ما تفعله؟ أنت متهم بتعريض حياة آلاف الأبرياء للخطر.

الرجل: كيف؟ إنها مجرد صامولة، ولن تؤذي أحدًا. أنا لم أؤذِ أحدًا في حياتي من قبل.

المحقق: لماذا فككت الصامولة؟

الرجل: أستخدمها لتثبيت الشبكة أثناء الصيد، فأنا أعمل صيادًا، وأريد شيئًا ثقيلًا به ثقب لتثبيت الشبكة، والصامولة هي أفضل اختيار متاح بالنسبة لي.

المحقق: ولماذا لم تشترِ شيئًا أو تصنع واحدة؟

الرجل: إنها مكلفة، وأنا صياد فقير، فمن الأسهل أن أفك صامولة بدلًا من أن أتحمل تكلفة صنع واحدة. والقرية كلها تفعل مثلي.

المحقق: ماذا تقول؟ هذا جنون! أتقول إن القرية كلها تسرق الصواميل مثلك؟ سوف ينقلب القطار بالتأكيد!

الرجل: كلا، لن ينقلب. فنحن نفك صامولة ونترك أخرى بالتبادل، حتى تتوزع الأحمال. لقد تعلمنا هذا في دروس الفيزياء بالمدرسة عندما كنا صغارًا.

المحقق: لا يزال هناك خطر قائم. وهل تستخدمون كل هذه الصواميل في الصيد؟

الرجل: أنا وإخوتي نستخدمها في الصيد، أما جارنا فيستخدمها في صناعة الأقفال لمنزل العمدة ومركز الشرطة.

المحقق: ماذا تقول؟ ولماذا يفعل جارك ذلك؟

الرجل: لقد طلب منه العمدة تجديد أقفال المنزل ومركز الشرطة، ولم يعطه مالًا، ففكر في طريقة يجدد بها الأقفال دون تكلفة، ولم يجد أفضل من صواميل القطار.

المحقق: وطبعًا رأى العمدة تلك الصواميل، فهل سألكم من أين حصلتم عليها؟

الرجل: العمدة لم يكترث، فهو أراد فقط إصلاح الأقفال.

المحقق: نشكر الله أننا اكتشفنا الأمر قبل وقوع كارثة. سوف أصدر أمرًا بتعيين حراسة على تلك القرية لمنع أهلها من فك الصواميل.

الرجل: أعتقد أن ذلك لن يكون مشكلة بالنسبة إلينا؛ لأننا سوف نحصل على الصواميل من القرية المجاورة، وسوف نشتريها منهم.

انتفض المحقق فزعًا وقال:

المحقق: ماذا تقول؟ أَهُم يفعلون مثلكم؟!

الرجل: نعم سيدي، كل القرى المحيطة بشريط القطار تفعل ذلك. هناك من يستخدمها للصيد، وهناك من يبيعها، وهناك من يصنع بها الأقفال. نحن مضطرون إلى ذلك، فلا بديل أمامنا، ولا نملك المال لشراء أبسط الأشياء، فنضطر إلى فك صواميل القطار.

المحقق: فهل إذا رفعنا رواتبكم ستتوقفون عن سرقة الصواميل؟

الرجل: أخشى، سيدي، أنها أصبحت عادة يمارسها الجميع. إذا أردتم إيقاف سرقة الصواميل، فعليكم بتعليم النشء منذ الصغر ما تريدون منهم أن يفعلوه عندما يكبرون، حتى إذا كبروا ووجدوا العدل والعمل والراتب المناسب، لن يفكروا يومًا في سرقة الصواميل.

المحقق: سوف أكتب هذا في تقريري، ولنرَ ماذا سيفعل الحاكم.

أغلق المحقق الملف، وركب القطار عائدًا إلى العاصمة، وبينما كان ينظر من النافذة، قال في نفسه:

«أتمنى أن نتخذ القرار سريعًا، فالأمر خطير. هؤلاء البؤساء قد يتسببون في كارثة».

وعندها لمح المحقق طفلًا صغيرًا يقف على حافة شريط القطار، ضاحكًا، ويحمل في يده صامولتين.

انتفض المحقق فزعًا، وصرخ:

«أوقفوا القطار! أوقفوا القطار!».

لكن الأوان كان قد فات، وارتفعت صرخات الركاب، ثم دوّى صوت الاصطدام، وانقلب القطار.

لقد فك الطفل الصغير صامولتين متجاورتين دون أن يدري.

لقد فعل مثل الآخرين، لكنه لم يكن يعلم خطورة ما يفعل. لقد وُلد هذا الطفل فقيرًا، ولم يذهب إلى المدرسة، ولم يحضر دروس الفيزياء.

طفل صغير يعاني الفقر والجهل، تربّى في قرية اعتادت سرقة الصواميل، فتسبب دون قصد في انقلاب القطار.

كم يوجد بيننا من العابثين واللصوص الذين ينهبون الصواميل كلها، ولا يكترثون لمعاناة الشعب إذا انقلبت به الحياة رأسًا على عقب!

دائمًا أقولها:

نحتاج إلى بناء الإنسان قبل بناء الدولة، ونحتاج إلى بناء جيل قبل بناء الأوطان.

منسوب إلى الكاتب أنطون تشيخوف.
(أخبار سوريا الوطن-اختيار د.عادل صادق حسن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من يدلني..؟

    علي نفنوف   من يدلني على الباب الذي نسيته الروح حين أغلقت عليَّ آخر نوافذها؟   كلما لمست وجهي، شعرت أنني أتحسس غريبًا ...