بقلم: علي نفنوف – دبي
لأن الصورة تقول ما لا يُقال، ولأنهم قالوا إن «صورة واحدة خير من ألف كلمة»، وانطلاقاً من إيماني بالرسالة النبيلة للصورة الفوتوغرافية، باعتباري أحد رواد هذا الفن، سأبدأ معكم سلسلة من المقالات التي تحكي عن هذا الفن، وأسرد لكم قصصاً وحكايات عن صور فوتوغرافية كان لها أثر عبر التاريخ، وأسهمت في تغيير الكثير من مجريات الأحداث حول العالم.
وفي هذه القصص، ستكون هناك إشارات إلى مهنة المصور النبيلة، والأخلاق التي تحكم عمله، والانتقادات التي يتعرض لها بسبب شغفه بإيصال رسالته بطريقته الخاصة.
وسنبدأ معكم اليوم بالقصة الأولى، بعنوان:
الطفلة التي أوقفت الحرب أمام عدسة الكاميرا: قصة صورة هزمت النابالم
هناك صور لا تبقى داخل إطارها الكلاسيكي المعهود، وإنما تخرج منه لتعيش في ذاكرة البشرية، معلقة على حائط الذكرى كوثيقة غير قابلة للطي.
صورة لا تحتاج إلى شرح طويل، لأن الألم فيها يتحدث بلغته الخاصة.
ومن بين آلاف الصور التي التُقطت خلال الحروب، بقيت صورة طفلة صغيرة تركض وسط دخان الحرب والنار واحدة من أكثر الصور قسوة وتأثيراً في تاريخ التصوير الفوتوغرافي.
لم تكن تلك الطفلة تعرف أن لحظة ألمها ستصبح شاهداً على حرب كاملة، وأن جسدها الصغير الذي أحرقته قنابل النابالم سيصبح رمزاً عالمياً لمعاناة المدنيين في الحروب.
في الثامن من حزيران/يونيو عام 1972، كانت قرية ترانغ بانغ الفيتنامية تعيش واحدة من أكثر لحظات حرب فيتنام دموية. وفي خضم المعارك والقصف الجوي، تعرضت المنطقة لهجوم باستخدام قنابل النابالم الحارقة.
وسط الفوضى والدخان، خرجت طفلة في التاسعة من عمرها تركض على الطريق، وقد التهمت النيران جسدها. كانت تصرخ من شدة الألم:
“ساخن جداً… ساخن جداً”.
كانت تلك الطفلة هي كيم فوك.
في تلك اللحظة، كان المصور الفيتنامي الجنوبي نيك أوت يقف بالقرب من المكان. لم يكن يبحث عن صورة تاريخية، ولم يكن يعلم أن إصبعه الذي ضغط على زر الكاميرا سيصنع واحدة من أشهر الصور في القرن العشرين.
التقط الصورة، لكنه لم يبقَ خلف عدسته فقط. فبعد التقاطها، وضع كاميرته جانباً، وركض لمساعدة الطفلة، ونقلها، مع عدد من الصحفيين، إلى مستشفى بارسكاي في سايغون.
كان وضعها الصحي ميؤوساً منه تقريباً، فقد أصيبت بحروق شديدة، وتوقع الأطباء أنها لن تعيش طويلاً. لكنها قاومت الموت، وبعد أربعة عشر شهراً من العلاج، خضعت خلالها لسبع عشرة عملية جراحية، استطاعت العودة إلى الحياة.
وبعد أيام قليلة من التقاطها، نشرت الصورة في الصحف العالمية، فتحولت من مجرد لحظة في حرب بعيدة إلى صدمة إنسانية هزت ضمير العالم.
لم تعد حرب فيتنام، بالنسبة إلى كثيرين، مجرد أخبار عسكرية أو أرقام في نشرات الأخبار، بل أصبحت وجه طفلة تركض عارية من الألم بحثاً عن النجاة.
الصورة التي أربكت السياسة
كانت قوة الصورة أكبر من قدرة الخطابات السياسية على الدفاع عن الحرب. فقد شاهد العالم حقيقة لم تكن تصل إليه عبر البيانات الرسمية: أطفال يحترقون، وقرى تُدمّر، ومدنيون يدفعون ثمن صراع لا يملكون قرار بدايته أو نهايته.
حصل المصور نيك أوت على جائزة بوليتزر عام 1973 عن هذه الصورة، وأصبحت من أهم الصور الصحفية التي ساهمت في تشكيل المزاج الشعبي العالمي تجاه حرب فيتنام.
لكن الصورة لم تمر دون جدل.
فقد شكك الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون في صحتها، متسائلاً عما إذا كانت قد عولجت أو تم التلاعب بها. إلا أن شهادات الصحفيين والوقائع والوثائق اللاحقة أكدت حقيقة الصورة ومشهد التقاطها.
وهنا ظهر سؤال أعمق:
هل تستطيع صورة واحدة أن تغيّر التاريخ؟
أم أن التاريخ يكون مستعداً للتغيير، فتأتي الصورة لتكشف ما كان مخفياً؟
ربما لم تُنهِ الصورة وحدها حرب فيتنام، فالحروب لا تنتهي بصورة واحدة، لكنها أصبحت واحدة من أقوى الصور التي كشفت بشاعة الحرب أمام الرأي العام العالمي، وأسهمت في تصاعد المعارضة الشعبية للحرب داخل الولايات المتحدة وخارجها.
المصور بين الشاهد والإنسان
تعرض نيك أوت أيضاً لسؤال أخلاقي تكرر كثيراً في تاريخ التصوير الصحفي:
لماذا التقط الصورة قبل أن يساعد الطفلة؟
لكن الإجابة تكمن في أنه لم يختر الصورة على حساب الإنسان؛ فقد قام بالأمرين معاً. وثّق المأساة، ثم وضع الكاميرا جانباً وسارع إلى مساعدة الضحية.
وكان يدافع عن موقفه بالقول، في جوهر حديثه، إن الصورة لم تنقذ طفلة واحدة فحسب، بل ساعدت العالم على رؤية فظاعة الحرب، وربما أسهمت في حماية أطفال آخرين من المصير نفسه.
ومع ذلك، عاش المصور فترة من الاكتئاب والإحباط النفسي بسبب الانتقادات التي وجهتها إليه بعض الجهات الحقوقية والإنسانية، والتي رأت أنه كان حريصاً على الحصول على اللقطة أكثر من حرصه على مساعدة الطفلة التي كانت تحترق.
وهنا تكمن فلسفة التصوير الصحفي الحقيقي:
المصور لا يصنع الألم، ولا يمجّده بعدسته، لكنه يستطيع أن يمنع العالم من تجاهله.
فلو لم تُلتقط الصورة، ربما بقيت مأساة تلك القرية رقماً آخر في سجل الحرب، لكن وجودها جعل ملايين البشر يرون الوجه الحقيقي للنابالم، ويشاهدون آثار الحرب على المدنيين بأعينهم.
من طفلة الحرب إلى سفيرة السلام
بعد سنوات طويلة من الألم الجسدي والنفسي، لم تتحول كيم فوك إلى أسيرة للماضي.
وفي عام 1996، زارت الولايات المتحدة، وهناك التقت بالطيار جون بلامر الذي شارك في القصف الذي استهدف منطقتها، وقدم لها اعتذاره.
لم يكن اللقاء محاكمة للانتقام، بل لحظة إنسانية بين شخصين حمل كل منهما آثار الحرب بطريقة مختلفة.
وفي عام 1997، تم تعيين كيم فوك سفيرة للنوايا الحسنة لدى اليونسكو.
وفي إحدى كلماتها قالت:
“لا نستطيع أن نغير الماضي، ولكن نستطيع أن نعمل جميعاً من أجل مستقبل يعمه السلام”.
كما قالت لاحقاً:
“صفة التسامح جعلتني متصالحة مع نفسي، ما زال جسدي يحمل العديد من الآثار والآلام الشديدة، ولكن قلبي ما زال صافياً”.
الصورة التي بقيت بعد انتهاء الحرب
انتهت حرب فيتنام بعد سنوات من الدماء، وكانت خسائرها الإنسانية هائلة، وسقط مئات الآلاف من القتلى، وتشرد ملايين البشر.
لكن وسط كل تلك الأرقام، بقيت صورة واحدة تختصر جانباً كبيراً من المأساة.
طفلة صغيرة تركض نحو العالم، لا تحمل سلاحاً، ولا تعرف شيئاً عن السياسة، لكنها استطاعت أن تقول ما عجزت عنه آلاف الخطب:
إن الحرب لا تنتصر فيها الجيوش فقط، بل يخسر فيها الإنسان أولاً.
لقد أثبتت صورة كيم فوك أن الكاميرا ليست مجرد أداة لحفظ اللحظة، بل قد تكون ضميراً لها، وأن صورة واحدة، عندما تحمل الحقيقة والألم والإنسانية، تستطيع أن تعيش أطول من أصحاب القرار الذين صنعوا الحرب نفسها.
الكاميرا بين حفظ الألم ومحاولة تغييره
أثارت صورة طفلة النابالم سؤالاً أخلاقياً عميقاً:
هل كان على المصور نيك أوت أن يترك الكاميرا وينقذ الطفلة، أم أن التقاط الصورة كان بحد ذاته فعلاً إنسانياً؟
انتقد البعض المصورين الذين يوثقون الألم قبل التدخل، معتبرين أن الإنسان يجب أن يسبق الصورة. لكن نيك أوت لم يكتفِ بالتقاط المشهد، بل وضع الكاميرا جانباً وسارع إلى إنقاذ كيم فوك ونقلها إلى المستشفى.
وفي المقابل، رأى آخرون أن تلك الصورة أنقذت وعياً عالمياً، لأنها كشفت مأساة الحرب ولفتت الانتباه إلى معاناة ملايين الأطفال والمدنيين.
لم يكن المصور أمام طفلة واحدة فقط، بل أمام قضية إنسانية كاملة. فالصورة التي التقطها أصبحت شاهداً على بشاعة الحرب، ودعوة إلى السلام.
وهنا تبقى الكاميرا أمام سؤالها الأزلي:
هل تحفظ الألم أم تتدخل في تغييره؟
وربما تكمن قيمة صورة نيك أوت في أنه جمع بين دور الشاهد ودور الإنسان.
سؤال أخير للقارئ
في ختام هذه القصة، أترك لكم سؤالاً أرجو التفكر فيه:
هل كان الأجدر بالمصور أن يضع الكاميرا جانباً ويسعى فوراً إلى إنقاذ الطفلة، أم أن التقاط الصورة ونشرها للعالم كان، في حد ذاته، محاولة لإنقاذ آخرين وإيقاف الحرب؟
يقع هذا السؤال في صميم العلاقة بين الإنسانية والصحافة والتصوير، وهي العلاقة التي لطالما جعلت المصور شاهداً على الأحداث، ومسؤولاً في الوقت نفسه عن الطريقة التي ينقل بها آلام الإنسان إلى العالم.



(موقع أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

