بقلم: المهندس محمود محمد صقر
مع بداية الألفية الثانية،
لم يكن العالم يدخل قرنًا جديدًا فقط،
بل كان يدخل مرحلة مختلفة بالكامل
في طريقة فهم القوة،
والهوية،
والأمن،
وموقع الإنسان داخل هذا التحول الكبير.
فبعد عقود طويلة
عاش فيها الشرق الأوسط
بين الحروب والإنقسامات والأيديولوجيات والصراعات الإقليمية،
جاءت السنوات الأولى من الألفية
لتفتح بابًا جديدًا من التعقيد.
لم تعد المواجهات تدور فقط حول الأرض أو الحدود،
ولا حول الموارد والممرات البحرية وحدها،
بل بدأت تأخذ بعدًا أوسع،
يمتزج فيه السياسي بالديني،
والأمني بالثقافي،
والإقتصادي بالهوياتي.
وفي عالمٍ أصبح أكثر اتصالًا عبر الإعلام والتكنولوجيا،
لم تعد الأحداث تبقى داخل حدود الدول،
بل أصبحت تنتقل بسرعة
إلى الوعي العالمي كله.
حتى بدا أحيانًا
أن الإنسان صار يعرف ما يحدث في آخر الأرض خلال ثوانٍ،
لكنه ما زال يعجز
عن فهم جاره…
أو حتى فهم نفسه.
ومع تصاعد الخوف العالمي من الإرهاب،
بدأت المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الضغوط والتحولات،
تداخلت فيها:
• التدخلات الدولية
• والمشاريع السياسية
• والصراعات الداخلية
• والإنقسامات المجتمعية
• مع شعورٍ متزايد
بأن الشرق الأوسط يقف فوق أرضٍ شديدة الهشاشة.
وفي الداخل،
كانت المجتمعات العربية تعيش حالة متناقضة.
فمن جهة،
كبرت أجيال جديدة
أكثر اتصالًا بالعالم،
وأكثر قدرة على رؤية الفارق
بين واقعها
وما يحدث خارجه.
ومن جهة أخرى،
بقيت غالبية المجتمعات
تعيش داخل:
• أزمات اقتصادية
• بطالة
• فساد
• ضعف مشاركة
• وتآكل طويل للثقة بين الإنسان والدولة.
ومع مرور السنوات،
بدأ الشعور بالإختناق يتراكم أكثر.
فالإنسان الذي عاش طويلًا
بين الخوف والإنتظار،
بدأ يبحث عن مخرج،
وعن معنى مختلف للحياة،
وعن مساحة يشعر فيها
أنه شريكٌ في وطنه…
لا مجرد متلقٍ للقرارات والتحولات.
لكن المشكلة،
كما بدا لاحقًا،
لم تكن فقط في الرغبة بالتغيير،
بل في غياب المشروع القادر
على تحويل هذا التغيير
إلى استقرار طويل.
وهنا،
دخلت المنطقة واحدة من أعقد مراحلها الحديثة.
اختلطت المطالب الشعبية المشروعة
بالتدخلات الدولية،
واختلط الأمل
بالإنفعال،
واختلطت رغبة الشعوب بالحياة
بحسابات القوى الكبرى والصراعات الإقليمية.
وفي خضم هذا كله،
بدأ العالم يتحدث أكثر فأكثر
عن “صراع الحضارات”،
وكأن البشرية،
بعد كل ما وصلت إليه من علم وتكنولوجيا،
ما زالت عاجزة
عن بناء فهمٍ أعمق للإختلاف الإنساني.
وربما كانت المفارقة الأغرب،
أن العالم الذي نجح في اختصار المسافات بين القارات،
ما زال حتى اليوم
يفشل أحيانًا
في اختصار المسافة بين عقلٍ وعقل…
أو بين خوفٍ وخوف.
فالإنسان الحديث
أصبح قادرًا على مشاهدة الحروب مباشرةً على هاتفه،
لكن ذلك لم يجعله أكثر حكمة بالضرورة،
بل ربما جعله أكثر قلقًا،
وأسرع انفعالًا،
وأقل قدرة على التمييز
بين الحقيقة والضجيج.
وفي زمنٍ
أصبحت فيه الأقمار الصناعية ترى تفاصيل الأرض كلها،
بقيت السياسة عاجزة أحيانًا
عن رؤية ما يحدث داخل الإنسان نفسه.
لكن ربما لم تكن المشكلة يومًا
في اختلاف الحضارات نفسها،
بل في الخوف،
وسوء الفهم،
واستخدام الهويات والثقافات
داخل مشاريع الصراع والنفوذ.
ولهذا،
لم تعد المنطقة تواجه أزمة سياسة فقط،
بل أزمة وعي عالمي أيضًا،
أزمة تتعلق
بكيفية رؤية الإنسان للآخر،
ولمعنى القوة،
وللقدرة على العيش المشترك
داخل عالمٍ يزداد ترابطًا…
ويزداد توترًا في الوقت نفسه.
وربما لهذا،
لم تعد النهضة الحقيقية اليوم
مرتبطة بالإقتصاد أو السياسة وحدهما،
بل بقدرة المجتمعات
على إعادة بناء الإنسان نفسه:
إنسانٍ قادر على الحوار،
وعلى فهم الإختلاف،
وعلى تحويل الخوف
إلى وعي،
والوعي
إلى قدرة على التمييز،
والتمييز
إلى مشروع حياة.
فالحضارات لا تسقط فقط
حين تُهزم عسكريًا،
بل حين تفقد قدرتها
على فهم الإنسان،
وعلى تجديد معناها الداخلي.
وربما كانت أعقد أزمات هذا العصر،
أن العالم أصبح يملك أدوات هائلة لتغيير كل شيء…
إلا نفسه.
ومع ذلك،
يبقى الأمل دائمًا
في تلك الأجيال
التي لا ترى التاريخ مجرد حكاية انهيارات،
بل تجربة طويلة
يتعلم فيها الإنسان،
ويخطئ،
ويتعثر،
ثم يحاول من جديد
أن يبني حياةً أكثر إنسانيةً وعدلًا ووعيًا.
لأن المهمة الحقيقية في النهاية
ليست أن ننتصر على بعضنا،
بل أن ننجح
في إنقاذ الإنسان
من خوفه…
ومن جهله…
ومن تكرار أخطائه القديمة
بأدواتٍ أكثر حداثة فقط …..
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
