ديانا سكيني
منذ أشهر، خلال الحرب، كان أحد زملائنا يقف أمام منزل دمّرته غارة في جنوب لبنان.
كانت امرأة تحاول أن تشرح ماذا خسرت. لم تكن تبحث عن كلمات بليغة، بل عن أنفاس تكفيها لإكمال الجملة.
وقف الصحافي صامتاً. لم يقاطعها. لاحظ أن طفلها كان يراقب الركام أكثر مما ينظر إلى الكاميرا.
هذه ليست معلومة، وليست “داتا”. هذه لحظة إنسانية. ولا توجد حتى اليوم خوارزمية تستطيع أن تشعر بها.
في غرفة أخبار “النهار”، بات مشهداً عادياً أن يفتح الصحافي نافذة ChatGPT أو Gemini أو Claude تزامناً مع فتح نافذة بريده الإلكتروني. يطلب منه أن يترجم تقريراً من ثلاثين صفحة، أو أن يلخّص دراسة اقتصادية، أو أن يقترح أسئلة لمقابلة، أو أن يساعد في فهم ملف قانوني معقد. خلال دقائق، ينجز ما كان يحتاج إلى ساعات.
لكن بعد دقائق أيضاً، عليه أن يرفع الهاتف، ويتصل بمصدر، ويشكّ في رقم، أو يعيد قراءة وثيقة، أو ينزل إلى الميدان. هنا تبدأ الصحافة.
في 2025، نشرت “بي بي سي” بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي للإذاعة دراسة تكشف أن مساعدات الذكاء الاصطناعي شوّهت المحتوى الإخباري- عبر مصادر خاطئة أو تفاصيل مختلقة أو معلومات متقادمة- في 45% من الحالات. الشفافية ليست اعترافاً بالضعف، هي اعتراف بالحقيقة.
تحدي التحيّز
عاد أحد صحافيي “النهار” من تغطية ميدانية ليجد أمامه عشرات الصفحات من التقارير والبيانات. استخدم الذكاء الاصطناعي لترتيبها، واستخراج أبرز الأرقام، وترجمة وثائق بلغات مختلفة. وفّر ساعات من العمل.
لكن عندما وجد رقماً لا ينسجم مع رواية شهود العيان، لم يسأل الآلة. عاد إلى المصدر واتصل بخبير. وقارن الأرقام. ثم اكتشف أن إحدى الوثائق القديمة ما زالت تتداول رغم أنها أصبحت غير دقيقة. لو نشرها كما هي، لكانت المعلومة مضللة.
في تلك اللحظة، لم يكن الذكاء الاصطناعي هو الذي أنقذ القصة، الصحافي هو الذي فعل.
هذا المثال ليس استثناءً. إنه يعكس أعمق تحدٍّ تواجهه غرف الأخبار الكبرى في العالم اليوم. فوكالة “رويترز” التي طوّرت أداة “Lynx Insight” لتحليل البيانات المالية في الوقت الفعلي وباتت تنشر بعض تنبيهاتها في ثوانٍ، تُلزم صحافييها بالتحقق من أي ادعاءات يولّدها الذكاء الاصطناعي قبل النشر. السرعة لا تلغي المسؤولية، بل تضاعفها.
وما يصح في الأسواق المالية يصح من باب أولى في الصحافة السياسية والاستقصائية، حيث الأخطاء لا تتبيّن في ثوانٍ، بل قد تظهر بعد أشهر أو سنوات. وبعدها لا يمكن تصحيح الضرر بمجرد تعديل خبر.
“ضريبة التحقق”
ثمة مفهوم بدأ يشغل الباحثين في الإعلام، يُسمّى “ضريبة التحقق”. وهو الوقت الذي يُمضيه الصحافيون في مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي وتصحيح أخطائها، وهو وقت يرى البعض انه ينتزع من وقت الكتابة والتحقيق والحضور الميداني.
لكن الخطر الأعمق ليس في الأخطاء الواضحة، بل في الكسل الفكري الذي يمكن أن يُفرزه الاعتماد المتصاعد على الآلة، في تراجع ملكة الصياغة والأسلوب والحكم، في أن يُدار جيل من الصحافيين لا يعرف كيف يكتب من دون اقتراح آلي. جيل قد تتشكّل علاقته باللغة من خلال الآلة.
هذه ليست مبالغة. هذه أسئلة تطرحها اليوم أكبر غرف الأخبار في العالم على نفسها.
ما يقوله الجمهور
في 2025، نشر معهد “رويترز” لدراسة الصحافة تقريراً مفاده ان الجمهور لا يرفض التكنولوجيا كلياً، لكنه يريدها أداة مساعدة للصحافي، لا بديلاً منه. فـ62% يشعرون بالارتياح تجاه الأخبار التي ينتجها صحافي بشري بالكامل، وتنخفض النسبة إلى 43% عندما يستعين الصحافي جزئياً بالذكاء الاصطناعي، ثم تتراجع أكثر عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو المنتج الأساسي أو الوحيد للخبر.
لكن الرقم الأخطر في التقرير ليس عن الأخبار. هو عن الثقة في ما يحدث داخل غرف الأخبار: 33% فقط من الجمهور يعتقدون أن الصحافيين يراجعون فعلاً مخرجات الذكاء الاصطناعي قبل النشر. والأكثر دلالةً أن 57% من الذين يثقون بوسائل الإعلام يُصدّقون أن هذه المراجعة تحدث، مقارنةً بـ 19% فقط من الذين لا يثقون بها.
المعادلة واضحة: الثقة بالمؤسسة الإعلامية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالاعتقاد بأن إنساناً ما يراجع ما تنشره. وعندما يتلاشى هذا الاعتقاد، تتلاشى الثقة معه.
وفحوى التقرير نفسه يحمل عبارة لا تحتاج إلى تعليق: الجمهور يتوقع أن يجعل الذكاء الاصطناعي الأخبار أرخص تكلفةً وأسرع تحديثاً، لكنه يتوقع في الوقت ذاته أن تصبح أقل شفافيةً، وأقل دقةً، وأقل موثوقية.
هذا ليس حكماً على التكنولوجيا. هذا حكم على كيفية استخدامها.
لماذا ميثاق “النهار”؟
لم يكن السؤال داخل “النهار”: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستخدمه، ونحن نعرف هذه التحديات؟
أطلقنا الميثاق لاستخدام الذكاء الاصطناعي لمناسبة العيد الـ93 عاماً للمؤسسة، احتراماً للحقيقة.
الميثاق ليس وثيقة لتنظيم عمل الآلة. هو وثيقة لتنظيم سلوكنا نحن عندما نستخدمها. ولهذا يبدأ بعبارة تبدو بسيطة لكنها تختصر فلسفة كاملة: “الإنسان أولاً… الإنسان أخيراً”.
فالذكاء الاصطناعي قد يكتب المسودة الأولى، لكنه لا يعرف إن كانت عادلة وغير متحيّزة. وقد يقترح عنواناً جذاباً، لكنه لا يعرف إن كان سيزيد ألم أمٍّ فقدت إبنها وقد يختصر تقريراً من مئة صفحة، لكنه لا يعرف أي تفصيل صغير سيغيّر فهم القصة بأكملها.
وثمة ما لا تستطيع أي خوارزمية اتخاذه بعد: القرار بأن قصة ما لا يجب أن تُنشر في هذه اللحظة، لأن مصدرها قد يكون في خطر.
يكشف البحث المقارن بين المؤسسات الإعلامية الكبرى أنه لا يوجد نموذج واحد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار.
يؤكد ميثاق “النهار” المضي في استخدام الذكاء الاصطناعي أكثر، لا أقل، في عمليات الانتاج. في البحث والترجمة وتحليل البيانات والإنتاج البصري ومشاريعنا الرقمية. لأن الابتكار ليس خياراً، بل ضرورة.
لكن في الوقت نفسه يتركز الاستثمار أكثر في الإنسان.
والأهم: التدقيق أكثر. لأن كل عمل صحافي لا يضم معطيات أنتجها الجهد البشري، معلومات خاصة، ومصادر منسوبة، وكشفاً حقيقياً عن وقائع، ستزداد مساءلةً في عصر تتكاثر فيه المعلومات وتتراجع الثقة.
المستقبل لن يكون انتصار الإنسان على الآلة، ولا انتصار الآلة على الإنسان.
المستقبل سيكون للمؤسسات التي تعرف كيف تستخدم التكنولوجيا.
ولهذا لم نكتب ميثاق “النهار” لأن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قواعد فقط، بل لأن الحقيقة، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى من يحرسها.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

