بقلم: مالك صقور
تصبح بعض الكلمات مصطلحاتٍ تدخل القاموس السياسي، مثل: «وثيقة، معاهدة، مفاوضات». وهذه الأيام ظهرت «مذكرة تفاهم»، واحتلت الصدارة في نشرات الأخبار، وعلى شاشات الفضائيات، ووسائل الاتصال الاجتماعي. وهذا بحد ذاته خبرٌ يستحق وقفة تأمل وأمل؛ لأن أي انفراج بين أمريكا وإيران لا يخص البلدين وحدهما فحسب، بل يمتد أثره الإيجابي إلى دول المنطقة، بل والعالم، لا سيما أسواق الطاقة والتجارة العالمية، بالإضافة إلى حسابات الأمن والاستقرار.
فالبشرية، رغم كل الحروب والنزاعات، لا تكف عن البحث عن نافذة للحوار والتفاهم. والتاريخ يعلمنا أن الخصومات الطويلة والصراعات الشرسة لا تُحسم دائماً بقوة السلاح، وأن المفاوضات كثيراً ما تبدأ بعد أن يكتشف المتحاربون أن كلفة هذه الحروب أعلى وأغلى من كلفة التفاهم.
توصلت أمريكا وإيران إلى توقيع مذكرة التفاهم بعد حرب ضروس شرسة شنتها أمريكا وإسرائيل معاً على إيران، وبعد أن زهقت هذه الحرب أرواح عشرات المئات من الضحايا والأطفال الأبرياء، وبعد دمار هائل وفظيع في إيران و”إسرائيل”.وفي القواعد الأمريكية في الخليج، علا صوت الوساطة وهمس الدبلوماسية على هدير القصف والدمار وقعقعة السلاح.
عندما تتقدم لغة الحوار خطوة إلى الأمام، يتراجع شبح الحرب إلى الخلف. ولعل ما جاء في مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، وما أُعلن عن هدنة وفترة للتفاوض تمتد ستين يوماً، يمثل بارقة أمل للسلام في عالم أنهكته الأزمات والصراعات. فالعالم الذي عاش ويعيش أياماً من القلق والترقب والاضطراب، يتطلع اليوم إلى أن ينتصر العقل على الغريزة، والحكمة على الانفعال، وأن تفتح السياسة والدبلوماسية باباً عجزت الحرب عن فتحه بقوة السلاح.
إن الدرس الأهم الذي نتعلمه من تاريخ الحروب هو أن الشعوب هي التي تدفع الثمن غالياً، وأن السلام والأمن والاستقرار هو الذي يدفع عجلة التطور والتقدم والأمن والأمان والعلم. وأغلب الظن أن العالم لا ينتظر من المتفاوضين انتصار طرف على طرف، (كل منهما يعتبر نفسه منتصراً)؛ بل ينتظر انتصار السلام على الحرب، والحوار على القطيعة، والأمل على الخوف.
والقضية ليست في توقيع على الورق، فالتاريخ مليء بالاتفاقات التي وُقعت ثم انهارت، آخرها: الاتفاق على الملف النووي. والمهم وجود إرادة حقيقية لتحويل التفاهم المؤقت إلى سلام مستدام.
وفي اليوم الذي تم فيه توقيع مذكرة التفاهم هذه، في قصر فرساي وفي إيران، تعرضت موسكو لأكبر هجوم بالطائرات المسيّرة. هذا الهجوم الذي سبب كوارث فظيعة في العاصمة الروسية.
تأمل واستمع: ففي الوقت الذي تُفتح فيه نافذة للحوار في مكان ما، تستمر الحرب في مكان آخر، وكأن عالمنا يعيش دائماً بين قوتين متعارضتين متصارعتين: إرادة التفاوض وإرادة المواجهة.
وهكذا، يبدو العالم واقفاً بين مشهدين متناقضين: طاولة تفاوض تُوقَّع عليها مذكرة تفاهم، وسماء مدينة أخرى تزدحم بالطيران المسيّر والصواريخ. ففي اللحظة التي يراهن فيها البعض على لغة السياسة والدبلوماسية لنزع فتيل الحرب وخفض لغة التوتر، يواصل آخرون الحرب ولغة القوة. وبين هدنة تُرجى وحرب تتسع، يبقى السؤال القديم يتردد: هل تستطيع الدبلوماسية أن تسبق أو تتغلب على الصواريخ، أم أن ضجيج المعارك سيظل أعلى من صوت الحكمة والعقل والتعقل والحوار؟
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

