آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » مسألة السلم الأهلي في سوريا بين التنظير والتدبير

مسألة السلم الأهلي في سوريا بين التنظير والتدبير

 

بقلم: عبد اللطيف عباس شعبان

يتزامن الاهتمام المتزايد بقضية السلم الأهلي في وطننا مع الاحتفال باليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية، الذي يصادف الثامن عشر من حزيران من كل عام، والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2021 استجابةً للتصاعد المقلق في خطابات التحريض والعنصرية والتعصب، وما نتج عنها من نزاعات وأعمال عنف وانقسامات مجتمعية في العديد من دول العالم.

وقد ارتبطت بعض هذه الخطابات بشعارات دينية مضللة تتناقض مع جوهر الرسالات السماوية، ولا سيما مع النصوص القرآنية الواضحة التي تدعو إلى التعارف والتسامح والرحمة بين البشر. يقول الله تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، ولم يقل لتتنافروا وتتقاتلوا. كما يقول سبحانه: «لا إكراه في الدين»، ويخاطب نبيه الكريم بقوله: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»، وقوله: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

ولقد شكّل مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول الكريم ﷺ نموذجاً للتعايش، حيث عاش المسلمون واليهود والمسيحيون وغيرهم تحت مظلة عقد اجتماعي واحد، دون إكراه أو إقصاء أو انتقاص من حقوق أي طرف.

*التنظير والتدبير

ومن دواعي التفاؤل أن الجهود العملية تترافق، إلى حدّ ما، مع الخطاب الداعي إلى نبذ الكراهية وترسيخ السلم الأهلي على المستويين الشعبي والرسمي. فخطاب التحريض الذي يروّج له عدد محدود من أصحاب الرؤى المتطرفة يواجهه يومياً عدد كبير من المواطنين الذين يتمسكون بقيم العقل والحوار والتعايش، كما أن هناك مواقف ميدانية مشهودة لأشخاص تصدوا لمحاولات إثارة الفتنة ومنعوا انزلاق الأمور إلى مواجهات أخطر.

وفي هذا السياق، دعت الحكومة مؤخراً إلى انعقاد مؤتمر السلم الأهلي في دمشق تحت عنوان «السلم الأهلي مسؤولية مشتركة»، بمشاركة ممثلين عن المجتمع المدني والقيادات الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى مؤسسات الدولة المعنية، ومنها وزارة الأوقاف ووزارة الثقافة والفتوى العامة، إلى جانب عدد من الشخصيات الوطنية ورجال الدين وفقهاء الشريعة.

*موقف ديني واضح

كما جدّد مجلس الإفتاء الأعلى التأكيد على مضمون فتواه الصادرة في السادس من حزيران 2025، في ظل تزايد حوادث الاعتداء على مواطنين سوريين لأسباب مختلفة، مؤكداً تحريم الثأر والانتقام خارج إطار القضاء، ومحذراً من التحريض والفوضى المجتمعية.

وأوضح المجلس أن الاعتداء على الدماء والأعراض والأموال من أعظم صور الظلم التي شدد الإسلام على تحريمها، لما يترتب عليها من نشر للفوضى وتقويض لأسس الأمن والعدالة وتهديد للسلم الأهلي. كما حمّل الجهات المختصة مسؤولية الإسراع في ملاحقة المجرمين وإنصاف المظلومين، بما يضمن تحقيق العدالة وترسيخ الأمن والاستقرار، داعياً إلى الحفاظ على وحدة الصف وتجنب الفتن وصون المجتمع من كل ما يهدد أمنه واستقراره.

وفي السياق ذاته، أشار الشيخ أسامة الرفاعي، المفتي العام للجمهورية العربية السورية، في إحدى خطب الجمعة الأخيرة، إلى أن مسؤولية تطبيق القانون ومحاسبة المتهمين تقع على عاتق مؤسسات الدولة المختصة، داعياً المواطنين إلى الثقة بالإجراءات القضائية والرسمية وعدم استبدالها بأفعال فردية قد تؤدي إلى نتائج خطيرة على الأمن المجتمعي.

وأكد أن السلطات تمتلك الأدوات القانونية والمؤسسية اللازمة لمعالجة الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، معرباً عن أمله في أن تتم معالجة هذه القضايا بروح من العدالة والإنصاف، وبما يحافظ في الوقت ذاته على استقرار البلاد ووحدة المجتمع السوري، ومحذراً من استغلال الغضب الشعبي أو توظيفه في اتجاهات تؤدي إلى الفوضى أو تقويض الأمن الداخلي.

*مسؤولية الدولة أولاً

إن كبح جماح خطاب الكراهية وترسيخ السلم الأهلي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، إلا أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق السلطات العامة، كما أكد مجلس الإفتاء والمفتي العام.

فالجهات المعنية بملاحقة مرتكبي الجرائم والانتهاكات السابقة مطالبة أيضاً بإيلاء الاهتمام ذاته، وربما أكثر، لملاحقة مرتكبي الجرائم والانتهاكات الراهنة، أياً كان نوعها أو زمانها أو مكانها، لأن جرم اليوم لا يقل خطورة عن جرم الأمس.

كما أن من واجب الدولة الوقوف إلى جانب كل من تعرض لظلم أو ضرر أو تهجير أو فقدان مصدر رزقه أو تعرض لإجراءات ألحقت به أذى معيشياً أو اجتماعياً، فهؤلاء جميعاً يستحقون الإنصاف وجبر الضرر وفقاً لمبادئ العدالة وسيادة القانون.

فالعدالة ليست مطلباً لفئة دون أخرى، ولا يجوز أن تكون انتقائية أو مجتزأة، بل يجب أن تشمل الجميع دون تمييز. ويؤكد القرآن الكريم هذا المبدأ بقوله تعالى: «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، وقوله: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى».

*السلم الأهلي بين القول والفعل

لا خلاف على أن تحقيق السلم الأهلي مسؤولية وطنية مشتركة، لكن نجاح هذه المهمة يتطلب انسجاماً حقيقياً بين الخطاب والممارسة، وبين التنظير والتدبير. فكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر حزماً في مواجهة دعاة الفتنة ومحرضي الكراهية، ازدادت فرص الاستقرار وتراجعت احتمالات الانقسام والاحتقان.

كما أن احترام القانون وتطبيقه على الجميع بعدالة وشفافية يمثلان الضمانة الأساسية لتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وترسيخ الشعور بالمواطنة والانتماء.

ويبقى الأمل كبيراً في أن تؤدي الجهود الحكومية والمجتمعية إلى تجنيب البلاد المزيد من التوترات، وأن يترسخ السلم الأهلي باعتباره غاية وطنية ورسالة إنسانية تقوم على المحبة والثقة والعدالة.

فالمجتمع الذي تسوده الريبة والخوف مجتمع مرهق ومستنزف، بينما المجتمع الذي تسوده الثقة والعدالة يكون أكثر قدرة على النهوض ومواجهة التحديات.

ومن هنا، فإن اتساع آفاق السلم الأهلي لا يحتاج إلى مزيد من التنظير فحسب، بل إلى المزيد من التدبير العملي الذي يترجم المبادئ إلى واقع ملموس
*الكاتب:عضو جمعية العلوم الاقتصادية-عضو اتحاد الصحفيين

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوهر العقد الاجتماعي الذي ينشده السوريون

    بقلم: د. عادل صادق حسن   أمام السوريين فرصة تاريخية لصياغة عقد اجتماعي فريد من نوعه، يعزز وحدتهم وتماسكهم، ويلبي طموحاتهم في العدالة ...