آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » من الفرح العظيم إلى القلق الكبير

من الفرح العظيم إلى القلق الكبير

 

 

بقلم: القاضي حسين حمادة

 

هناك لحظات في حياة الشعوب تبدو وكأنها أحلام بعيدة المنال، حتى إذا تحققت وقف الناس أمامها غير مصدقين أنها أصبحت حقيقة.

 

وبالنسبة لي، كما بالنسبة لعدد كبير من السوريين، كانت نهاية النظام الأسدي واحدة من تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية. لم أكن أتصور يومًا أنني سأعيش حتى أرى سقوط منظومة أمنية وعسكرية حكمت البلاد لعقود طويلة، ومعها شبكات القمع والفساد والشبيحة والميليشيات الطائفية، وكل ما ارتبط بها من نفوذ خارجي فرض على سوريا أثمانًا باهظة من سيادتها واستقرارها ومستقبل أبنائها.

 

كنا نظن أن هذه اللحظة مؤجلة إلى زمن آخر، وأن أبناءنا أو أحفادنا هم من سيشهدونها. لكن مشيئة الله شاءت أن نراها بأعيننا، وأن نشهد نهاية مرحلة كاملة من تاريخ سوريا. لذلك كانت الفرحة عارمة واستثنائية، لأنها لم تكن فرحة انتصار سياسي فحسب، بل فرحة شعب اعتقد أنه بدأ أخيرًا يخرج من نفق طويل من الخوف والمعاناة.

 

ثم جاءت التصريحات الأولى للقيادة الجديدة، والخطابات التي تحدثت عن الدولة والعدالة والمواطنة وسيادة القانون والشراكة الوطنية، لتزيد من مساحة الأمل. وشعر السوريون أن بابًا جديدًا قد فُتح أمامهم، وأن الفرصة أصبحت متاحة لبناء وطن يتسع للجميع، بعيدًا عن الإقصاء والاستئثار والاستبداد.

 

غير أن المشهد، ومع مرور الوقت، بدأ يثير لدى كثيرين تساؤلات وقلقًا متزايدًا. فبدلًا من أن يسود الأمن والاستقرار، اتسعت في بعض المناطق مظاهر الفوضى، وبدلًا من ملاحقة مجرمي الحرب ومحاسبتهم وفق القانون، بدأ التعامل معهم وكأنهم شخصيات وطنية، وبدلًا من إنجاز مشاريع خدمية تهم المواطن، طُرحت مشاريع أشبه بالفنتازيا الوهمية. كما ازدادت البطالة وعمّ الفقر، وتشكّل لدى العديد من السوريين انطباع متزايد بأن القرار يتركز تدريجيًا في دائرة سياسية ضيقة، وأن مؤسسات الدولة تُبنى وفق منطق الغلبة أكثر مما تُبنى وفق منطق الشراكة الوطنية.

 

هذا الواقع ولّد شعورًا متناميًا بالتوجس وعدم الرضا لدى شريحة واسعة من المواطنين، وساد الصمت لدى كثيرين. والصمت في مثل هذه الظروف ليس دائمًا علامة رضا، بل قد يكون لغة الخيبة أو انعكاسًا لفقدان الثقة بجدوى الكلام.

 

هنا لا بد من تجاوز هذا الواقع والانطلاق نحو فضاء وطني أوسع وأكثر شمولًا، وذلك من خلال قيادة عملية إصلاح جذرية وحقيقية تبدأ بالإصلاح السياسي بوصفه المدخل الطبيعي والأساسي الذي تُبنى عليه الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والقانونية.

 

وفي الحالة السورية، بما تعانيه من تشظٍّ سياسي ومجتمعي وتعدد في الرؤى والاتجاهات، فإن أي إصلاح سياسي جاد يقتضي إشراك جميع مكونات الشعب السوري في رسم مستقبل البلاد وصياغة عقدها الوطني الجديد. وهذا يتطلب إطلاق “حوار وطني” شامل يضم مختلف القوى السياسية والفعاليات المجتمعية والنقابية والثقافية، إضافة إلى الكفاءات والخبرات السورية في الداخل والخارج.

 

وعندما نتحدث عن “الحوار الوطني”، فإننا نقصد عملية وطنية جادة وشاملة تمتد لفترة زمنية كافية قد تصل إلى عام كامل، بما يتيح إجراء حوارات معمقة ومسؤولة حول القضايا المصيرية والتحديات الكبرى التي تواجه الدولة والمجتمع، وتشرف عليها لجنة وطنية تضم شخصيات مشهودًا لها بالكفاءة والنزاهة والمصداقية، مكوّنة من مختلف المحافظات والمكونات، وتتولى ما يلي:

 

أولًا: إعداد مشروع ميثاق وطني جامع يُطرح للنقاش العام على أوسع نطاق، ثم يُعرض على المؤتمر الوطني لمناقشته وإقراره.

 

ثانيًا: تشكيل لجان فرعية متوازنة مناطقيًا وديمغرافيًا تتولى اختيار شخصيات وطنية كفوءة لتمثيل مختلف شرائح المجتمع في هذا المؤتمر، بما يضمن حضورًا حقيقيًا للتنوع السوري ويحول دون الاحتكار أو الإقصاء.

 

على أن يُختتم هذا المسار بعقد “مؤتمر وطني” جامع تشارك فيه جميع المحافظات، ومختلف المكونات الاجتماعية، والتيارات السياسية والفكرية، ومنظمات المجتمع المدني، ليشكّل منصة وطنية للتوافق على المبادئ والأسس العامة التي تقوم عليها سوريا المستقبل، بما يعزز وحدة البلاد ويؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون والشراكة الوطنية الحقيقية.

 

وينبغي أن يتمخض عن هذا المؤتمر تشكيل “هيئة وطنية” تمثيلية محدودة العدد، تعكس التعدد الوطني السوري، وتتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية وممارسة صلاحيات واضحة في تأسيس المؤسسات الدستورية والسياسية الأساسية، بما في ذلك:

• حكومة وحدة وطنية (تكنوقراط) من أصحاب الاختصاص والكفاءة.

• هيئة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ذات صلاحيات إدارية ومالية تمكّنها من النهوض بمهامها.

• مجلس تشريعي انتقالي.

• مجلس قضاء أعلى متوازن.

• مجلس قضاء إداري متخصص.

• محكمة دستورية مستقلة.

• جمعية تأسيسية تتولى إعداد مسودة دستور جديد أو وضع أسس ومعايير تشكيلها.

 

وعندها فقط نكون قد انتقلنا حقًا من مرحلة إسقاط النظام إلى مرحلة بناء الدولة، ومن فرحة الانتصار على الماضي إلى الاطمئنان على المستقبل

 

(موقع:أخبار سوريا الماضي-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير النقل يبحث مع القائم بالأعمال الفرنسي فرص الاستثمار ومشاريع النقل الاستراتيجية

  استقبل وزير النقل الدكتور يعرب بدر القائم بالأعمال في السفارة الفرنسية بدمشق جان باتيست فيفر، وذلك لبحث آفاق التعاون المشترك في تنفيذ مشاريع قطاع ...