د. سلمان ريا
في لحظة إقليمية تتداخل فيها الدبلوماسية مع اشتباك الميدان، يبدو المشهد بين واشنطن وطهران محكوماً بمعادلة غير مألوفة في العلاقات الدولية: تسوية مشروطة بالقوة. لا نحن أمام اتفاق سلام مكتمل، ولا أمام حرب مفتوحة، بل حالة وسط تُصاغ فيها التفاهمات المحتملة تحت سقف ردع عسكري نشط، يجعل كل خطوة سياسية محكومة بظل التهديد، وكل تهدئة قابلة للارتداد عند أول احتكاك ميداني.
تتحرك الولايات المتحدة وفق منطق واضح: تثبيت أمن الطاقة والملاحة في الخليج، ومنع أي قدرة إيرانية على تعطيل شرايين الاقتصاد العالمي أو فرض معادلات سيطرة على الممرات البحرية. لذلك لا تنظر واشنطن إلى التفاوض بوصفه تنازلاً، بل كأداة ضبط استراتيجي، تُبقي الضغط قائماً عبر العقوبات والقدرة العسكرية، وتحوّل أي اتفاق إلى منظومة التزام قابلة للقياس والاختبار، لا إلى تفاهم سياسي مرن.
في المقابل، تتعامل إيران مع الملف باعتباره شبكة واحدة لا تتجزأ. فالبرنامج النووي ليس قضية تقنية منفصلة، بل جزء من معادلة نفوذ إقليمي ممتدة من الخليج إلى العراق ولبنان. ومن هنا تعتمد طهران منطق “تعدد الساحات”، حيث تتحول الجغرافيا السياسية إلى أوراق تفاوض، وتصبح القدرة على التأثير في الممرات البحرية أو دعم الحلفاء جزءاً من أدوات التوازن في مواجهة الضغط الغربي. الهدف ليس فقط رفع العقوبات، بل منع تحويل أي تسوية إلى تقييد شامل لدورها الإقليمي.
أما إسرائيل، فتتعاطى مع أي تفاهم لا يؤدي إلى تفكيك البنية الإيرانية العسكرية والنووية بوصفه تهدئة مؤقتة لا أكثر. من هذا المنظور، تميل تل أبيب إلى إبقاء مستوى من الضغط الأمني قائماً، لأن أي اتفاق جزئي يُنظر إليه كفرصة لإعادة التموضع لا كحل نهائي. وهكذا يبقى العامل الإسرائيلي قوة دفع دائمة نحو إبقاء التوتر ضمن مستوى قابل للاشتعال عند الحاجة.
في ضوء هذه التوازنات، لا يبدو المشهد أمام مسار سلام تقليدي، بل أمام إعادة هندسة لإدارة الصراع. كل طرف يحتفظ بأدواته: واشنطن بالقوة الاقتصادية والعسكرية، طهران بالجغرافيا ونفوذ الوكلاء، وإسرائيل بخيار الضربات الاستباقية. هذا التشابك يجعل أي تفاهم أقرب إلى هدنة سياسية مرنة منه إلى تسوية مستقرة، ويجعل الاستقرار نفسه حالة مؤقتة لا بنية دائمة.
لذلك يمكن تصور المستقبل عبر ثلاثة مسارات: أولها استقرار هش يقوم على تفاهمات جزئية تخفف التصعيد دون إنهائه. وثانيها تآكل تدريجي لهذه التفاهمات مع انتقال التوتر بين ساحات متعددة، من الخليج إلى المشرق. أما الثالث، وهو الأقل احتمالاً والأعلى كلفة، فيتمثل في انفجار إقليمي يعيد خلط قواعد الاشتباك بالكامل إذا خرج أحد الاحتكاكات عن السيطرة.
في المحصلة، لا يُقاس ما يتشكل اليوم بكونه اقتراباً من السلام بقدر ما يُقاس بقدرة الأطراف على إدارة التوتر دون فقدان السيطرة عليه. إنها لحظة تُدار فيها السياسة بوصفها امتداداً مضبوطاً للقوة، لا بديلاً عنها.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

