د. سلمان ريا
لم يعد توصيف العالم بأنه “متعدد الأقطاب” كافيًا، كما لم يعد الحديث عن استمرار الهيمنة الأحادية الأمريكية مقنعًا. نحن أمام نظام دولي في حالة سيولة بنيوية: موازين القوة تتحرك، والتحالفات يُعاد تعريفها، والمؤسسات متعددة الأطراف تفقد فعاليتها، بينما لم تتبلور بعد هندسة بديلة مستقرة. إنها مرحلة انتقالية مفتوحة الاحتمالات، تتراجع فيها اليقينيات الاستراتيجية ويصعد منطق التحوّط. ولم يعد الصراع العالمي أيديولوجيًا منضبطًا كما كان خلال الحرب الباردة، بل بات اقتصاديًا–تكنولوجيًا، تتخلله اختلافات داخل كل معسكر. فقد عمّقت العولمة الترابط، لكنها وسّعت الفجوات، وأنتجت جيوب تهميش في الجنوب كما في الشمال، وأسهمت في صعود تيارات شعبوية وهوياتية تشكك في جدوى الانفتاح ذاته.
في هذا السياق، تراجعت فعالية التعددية الدولية. المنظمات ما زالت قائمة، لكن قدرتها التنفيذية تآكلت. في المقابل، برزت تحالفات “بالقطعة” حول ملفات محددة، تعكس براغماتية عالية لكنها تفتقر إلى الشمول والاستدامة. العالم لم يصبح فوضويًا بالكامل، لكنه لم يعد منظمًا وفق قواعد مستقرة.
داخل هذا المشهد، مثّل مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 لحظة كاشفة أكثر منه اجتماعًا دوريًا. ما ظهر في ميونيخ لم يكن مجرد نقاش حول تقاسم الأعباء الدفاعية، بل مراجعة هادئة لافتراض استراتيجي حكم أوروبا منذ 1945: استمرارية المظلة الأمريكية بوصفها ثابتًا غير قابل للمساءلة.
في ظل توجهات إدارة دونالد ترامب التي أعادت التأكيد على أولوية الداخل الأمريكي، ومع تصاعد خطاب تقاسم الأعباء داخل حلف شمال الأطلسي، أدركت العواصم الأوروبية أن الاعتماد الأحادي لم يعد خيارًا آمنًا في بيئة تتسم بتقلب الحسابات الداخلية الأمريكية. المشكلة لم تعد تصريحًا هنا أو موقفًا هناك، بل نمط تفكير استراتيجي يربط الالتزامات الخارجية بحسابات انتخابية واقتصادية متغيرة.
من هنا خرج مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية” من دائرة الخطاب النظري إلى حيز الضرورة العملية. لكنه لا يعني القطيعة مع واشنطن، بل إعادة توازن العلاقة. أوروبا لا تسعى إلى فك الارتباط، بل إلى امتلاك خيار الفعل المستقل عند الضرورة—في الجوار الأوروبي، في الأمن السيبراني، في الطاقة، في سلاسل الإمداد، وفي الصناعات الدفاعية.
التحدي ليس ماليًا فقط، رغم أهمية زيادة الإنفاق الدفاعي. التحدي مؤسسي وسياسي بالدرجة الأولى. هل يستطيع الاتحاد الأوروبي تجاوز انقساماته بين شرق وغرب، شمال وجنوب؟ هل تقبل الدول الأعضاء نقل صلاحيات إضافية إلى مستوى فوق قومي في قضايا تمس صميم السيادة؟ وهل يمكن تحويل القدرات الفرنسية النووية إلى عنصر ردع أوروبي أوسع دون إثارة حساسيات داخلية؟
المفارقة أن أوروبا تتحرك اليوم بدافع الخوف من تآكل الضمانة الأمريكية، لا بدافع طموح انفصالي. إنها لحظة وعي بحدود الطمأنينة، لا لحظة تمرد. لكنها في الوقت ذاته لحظة اختبار: إما أن تترجم هذا الإدراك إلى سياسات صناعية ودفاعية وتكنولوجية متماسكة، فتتحول إلى عمود أوروبي أكثر صلابة داخل المنظومة الغربية؛ أو تبقى أسيرة خطاب استقلالي لا يتجاوز حدود البيانات.
في عالم أشبه بـ“مدينة كونية” تتجاور فيه الاختلافات الحادة والتفاوتات العميقة، لا يمكن لأي قوة إقليمية أن تكتفي بالاعتماد على غيرها في قضايا الوجود. أوروبا دخلت زمن إعادة تعريف موقعها: شريكًا أطلسيًا، نعم، لكن شريكًا قادرًا على الوقوف بذاته إذا تبدلت شروط الشراكة.
انتهى زمن الاطمئنان غير المشروط. وبدأ زمن اختبار الإرادة الاستراتيجية.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
