آخر الأخبار
الرئيسية » الإفتتاحية » خطاب الكراهية.. الخطر الذي يهدد سوريا الجديدة

خطاب الكراهية.. الخطر الذي يهدد سوريا الجديدة

 

 

 

كتب رئيس التحرير

 

في الثامن عشر من حزيران من كل عام يحتفل العالم باليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية، وهو اليوم الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2021 استجابةً للتصاعد المقلق في خطابات التحريض والعنصرية والتعصب التي انتشرت عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وما نتج عنها من نزاعات وأعمال عنف وانقسامات مجتمعية في العديد من دول العالم.

 

وتأتي أهمية هذا اليوم من إدراك المجتمع الدولي أن الكراهية ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي بداية طريق قد ينتهي إلى التمييز والإقصاء والعنف والاقتتال، وأن المجتمعات التي تسمح بانتشار خطاب الكراهية دون مواجهة جادة تضع أمنها واستقرارها ووحدتها الوطنية في مهب الريح.

 

وفي سوريا، يبدو الحديث عن هذه المناسبة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فبعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والانقسام، كان من المفترض أن تتجه الجهود نحو ترميم الجسور بين أبناء الوطن الواحد وبناء الثقة وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة الجامعة، إلا أن المتابع لما يُنشر على بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي يلحظ تنامياً لافتاً لخطاب الكراهية والتحريض الطائفي والمناطقي والعرقي تحت ذرائع وشعارات مختلفة.

 

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يستهدف أفراداً بعينهم، بل يزرع الشك والعداء بين مكونات المجتمع، ويحمّل جماعات بأكملها مسؤولية أخطاء أفراد أو أحداث تاريخية أو مواقف سياسية. وهنا يتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والخصومة إلى كراهية، والكراهية إلى مشروع تهديد للسلم الأهلي ومستقبل البلاد.

 

ومن المؤسف أن بعض من يروجون لهذا الخطاب يحاولون الاستناد إلى الدين لتبرير مواقفهم، في حين أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يقفان على النقيض تماماً من ثقافة الكراهية والإقصاء.

 

فالقرآن الكريم يؤكد مبدأ العدالة الفردية وعدم تحميل الإنسان مسؤولية غيره، قال تعالى: “ولا تزر وازرة وزر أخرى”كما يدعو إلى التعارف بين الشعوب لا إلى التناحر بينها، في قوله سبحانه: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”

 

بل إن القرآن نهى المسلمين عن سب معتقدات الآخرين، رغم مخالفتهم لهم في العقيدة، فقال تعالى: “ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم”،وهي آية تؤسس لأعلى درجات المسؤولية في الخطاب العام واحترام الآخر.

 

أما السنة النبوية فقد جاءت حافلة بالنصوص التي تدعو إلى الرحمة والتسامح ونبذ العصبيات. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من دعا إلى عصبية” وقال أيضاً: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”كما حذر من الظلم والعدوان والتمييز بين الناس، مؤكداً أن التفاضل بينهم لا يكون إلا بالعمل الصالح والقيم النبيلة.

 

إن مواجهة خطاب الكراهية اليوم ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي واجب وطني وأخلاقي تشترك فيه الدولة والمجتمع معاً.

 

فعلى العقلاء والمثقفين ورجال الدين والإعلاميين وقادة الرأي أن يرفعوا أصواتهم دفاعاً عن قيم المواطنة والاحترام المتبادل، وأن يتصدوا للمعلومات المضللة والشائعات وخطابات التحريض بالحجة والعلم والوعي، وأن يقدموا نماذج إيجابية للحوار وقبول الاختلاف.

 

كما أن الأسرة والمدرسة والجامعة مطالبة بغرس ثقافة التسامح واحترام التنوع لدى الأجيال الجديدة، لأن الوقاية من الكراهية تبدأ من التربية قبل أن تصل إلى القوانين.

 

أما أجهزة الدولة، فينبغي أن تتعامل مع خطاب الكراهية بوصفه تهديداً مباشراً للسلم الأهلي والأمن المجتمعي، من خلال تطبيق القوانين على كل من يحرض على العنف أو التمييز أو الإساءة إلى فئات المجتمع، وتعزيز الخطاب الوطني الجامع، ودعم المبادرات التي تشجع المصالحة والتعايش والشراكة بين المواطنين.

 

إن سوريا الجديدة التي يحلم بها أبناؤها لا يمكن أن تُبنى على الأحقاد والثأر والانتقام، بل على العدالة وسيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية. فالأوطان القوية ليست تلك التي تتشابه فيها الآراء والانتماءات، بل تلك التي تنجح في إدارة اختلافاتها ضمن إطار من الاحترام المتبادل والمواطنة المتساوية.

 

وفي اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية، تبقى الرسالة الأهم أن الكلمة مسؤولية، وأن بناء المستقبل يبدأ من بناء خطاب عقلاني متزن يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد، ويزرع الأمل بدلاً من الخوف، والمحبة بدلاً من الكراهية. فالكراهية قد تشعل نزاعاً في لحظة، أما استعادة الثقة بين الناس فقد تحتاج سنوات طويلة من الجهد والصبر والحكمة

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شعبنا والشفافية المطلوبة

    رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد   كتبت في مثل هذا اليوم من عام 2019 مقالاً قلت فيه ان الدستور وقانون الإدارة المحلية,وقانون الإنتخابات ,وقانون ...