شكّلت الحملة ضد مركز إيواء النازحين في محلة الكرنتينا جرس إنذار كبير لخطورة الخطاب السائد في البلد، وإشارة التحضير لفتيل تفجير داخلي في اليوم التالي للحرب، إذ بات واضحاً أن ثمة جهات في البلد اتخذت وضعية اقتياد لبنان إلى مشاريع تقسيمية تعوّض العدو الإسرائيلي عن فشله في الميدان، حيث تتصدى المقاومة لمخططات سيطرته على الجنوب، ضمن سياق يهدد الكيان اللبناني بكل أطيافه لا فريقاً بعينه. وفي هذا الإطار، أتَت أمس الحركة السياسية التي شهدها قصر بعبدا.
ففي موازاة التصعيد الإسرائيلي، المتمثل بقطع الجسور وعزل جنوب النهر، تحركت عجلة المتابعة السياسية وكان أبرزها لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ثم مع رئيس الحكومة نواف سلام، والنائب السابق وليد جنبلاط في سياق مشاورات ركزت في غالبيتها على ضرورة تحصين الساحة الداخلية، فيما قالت مصادر «الأخبار» إن بري قد يطرح مبادرة حوارية للتخفيف من الاحتقان الداخلي.
وبحسب المصادر، كان الجو المتوتر في صلب لقاءات عون، أكثر من الحرب، نظراً إلى خطورة المرحلة ومحاولة بعض الجهات الداخلية الدفع باتجاه التفجير من الداخل، مستغلة ضغط النزوح والهواجس الأمنية، وهو ما يستدعي بحسب المسؤولين اتخاذ إجراءات مكثفة وإعطاء الأجهزة الأمنية كامل الصلاحيات للقيام بالمهمة. وكشفت المصادر أن «الرئيس بري انطلق مما أثير حول مركز الكرنتينا وعبّر عن استيائه من البلبلة التي أحاطت به وكيف أصبحت الملفات الإنسانية تُدار بعصبية ولغة عنصرية تهدد بتقسيم البلد».
بالنسبة إلى المبادرة التي طرحها رئيس الجمهورية، كشفت المصادر أنها «وُضعت جانباً»، مشيرة إلى أن «عون بدأ يقتنع بضرورة انتظار ما سيفرضه الميدان، فضلاً عن شعوره بأن خطابه الأخير بدأ يخلق جواً عدائياً مع الشيعة وهو ما لا يحبذه»، وهو بات يعتبر بأنه «يشتري خصومة مع طرف أساسي في البلد من دون ثمن، خصوصاً أن إسرائيل رفضت مبدأ التفاوض مع لبنان لوقف إطلاق النار، والولايات المتحدة تعاطت مع المبادرة بتجاهل تام».
وهو ناقش مع بري مخاطر التصعيد الإسرائيلي، ولا سيما استهداف الجسور التي تربط الجنوب ببقيّة المناطق، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات ميدانية وإنسانية تتجاوز الحسابات العسكريّة المباشرة.
كما تناول البحث الأوضاع الاجتماعية والإنسانيّة الناتجة عن نزوح نحو مليون مواطن جنوبي من البلدات والقرى التي تعرّضت إلى القصف والتدمير.
ومن ضمن الحراك السياسي، استقبل عون جنبلاط ورئيس الحزب النائب تيمور جنبلاط، وكان لافتاً موقف جنبلاط الذي اعتبر أن «من يقوم بالتدمير لا يريد التفاوض»، لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن «رفض التفاوض من أجل الرفض واستخدام لبنان كساحة مفتوحة أمر مرفوض».
وجدد جنبلاط دعمه للجيش، مستغرباً التهجم عليه في «عز الأزمات»، وأعاد ترتيب أولويات المرحلة في ثلاثيّة واضحة: الحوار، الأمن الداخلي، وملفّ النازحين. وفي ما خص النازحين جدّد طرح اعتماد البيوت الجاهزة بدل الخيم، كحل سريع وأكثر استقراراً لإيواء النازحين إلى حين عودتهم. أمّا ردّه على سؤال عن وجود مشايخ مسلّحين، قال «ما في حدا مسلّح، نحن نحترم الدولة والأجهزة الأمنيّة».
في هذا الإطار، علمت «الأخبار» أن «اللقاءات التي عقدت في بعبدا أمس أتت بدعوة من عون لأسباب عدة»، وفق مصادر قالت إنه هو من «أرسل إلى جنبلاط دعوة لزيارة القصر، ويحاول منذ أسبوعين ترتيب لقاء مع الرئيس بري». وبحسب المعلومات يشعر عون أنه «بات في حال من العزلة الخارجية نتيجة تعاطي الجانب الأميركي والدولي معه، وعدم تجاوب واشنطن مع أي من المطالب اللبنانية»، لا بل أكثر من ذلك «نقل مقربون من الإدارة الأميركية إلى عون أن إدارة ترامب لا تعتبر لبنان أولوية ولا تريد مناقشة ملفه الآن وباتت تعتبر أنه مربوط بإيران على عكس المدة الماضية».
ونتيجة هذه العزلة قرر عون معالجة الجو المتوتر الذي نشأ بينه وبين بيئة المقاومة نتيجة مواقفة الأخيرة، فضلاً عن شعوره بأن ثمة أطراف في البلد تسعى إلى استغلال مواقفه في سبيل تفجير الداخل والإطاحة بالعهد، بالمعنى السياسي، يحاول عون إعادة الإمساك بالداخل بالتعاون مع بري والجهات التي لها دور وحيثية كجنبلاط، في رسالة واضحة لمن يسعى إلى استحضار شعارات الحرب الأهلية والتهجم على أي شعار توحيدي جامع. من هنا، جاءت عبارة الرئيس بري بعد اللقاء، «بوجود فخامة الرئيس أنا مطمئن» كرسالة طمأنة وقطع الطريق أمام العابثين بأمن البلد.
وبعد لقاء بري، استقبل الرئيس عون رئيس الحكومة نواف سلام، الذي غادر من دون الإدلاء بأي تصريح، مكتفياً بالقول: «أنا على تواصل يومي مع فخامة الرئيس، ونعمل جميعاً لوقف الحرب في أسرع وقت ممكن».
بلاسخارت… غير مرغوب فيها!
علمت «الأخبار» أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرسش سمع خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان العديد من الملاحظات حول عمل منسقة الأمم المتحدة في لبنان الهولندية جانين بلاسخارت. وقال مصدر مطّلع إن الأخيرة «صارت منسقة لشؤون العدو في لبنان، وليس للأمم المتحدة». وكشف أن حزب الله أوقف اتصالاته معها، سياسياً أو أمنياً، خصوصاً بعدما تبين دورها السلبي إلى جانب العدو.
لكن التطور الأبرز تمثل في قرار الرئيس نبيه بري التوقف عن استقبالها، خصوصاً بعد البيان الذي أدلت به خلال الإحاطة لمجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي، ودعت فيها إلى تدمير المنشآت المدنية والاجتماعية للمقاومة وعدم الاكتفاء بالحديث عن الشق العسكري. وبحسب المصدر فإن المسؤولة الهولندية التي سبق أن عملت في العراق، قامت هناك بدور مشابه لمصلحة قوات الاحتلال الأميركي، إلى حد أن جهات نافذة في فصائل المقاومة العراقية وجهت إليها رسائل تحذير، علماً أنها سعت إلى بناء علاقات وثيقة بعدد من مسؤولي الحشد الشعبي العراقي.
وقال المصدر إن الشكاوى ضد بلاسخارت لم ترد فقط من قبل سياسيين أو جهات لبنانية، بل إن قيادة قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب، وبعض مؤسسات الأمم المتحدة، عبرت عن انزعاجها من طريقة تعاطي بلاسخارت التي تعمل على تهميش أدوار الجميع، معتبرة أنها تحظى بدعم خاص من عواصم القرار في الأمم المتحدة.
وبدت بلاسخارت التي كانت تتباهى بأنها من المسؤولين القلائل في الأمم المتحدة الذين يمكنهم الوصول إلى مركز القرار في كيان الاحتلال، في المدة الأخيرة «محبطة» كون تل أبيب لم تعرها أي اهتمام لجهة مبادرتها الساعية إلى المحافظة على وجود قوة دولية في لبنان بعد انتهاء مهمة القوات الدولية نهاية هذه السنة. كما كان لافتاً أن الرئيس جوزيف عون عبر أيضاً عن إحباطه نتيجة عدم قدرة بلاسخارت على تحريك ملف المفاوضات بعد إطلاق مبادرته الأخيرة.
أميركيون في فنادق لبنان
قال مصدر أمني رسمي لـ«الأخبار» إنه بعد اندلاع العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، واشتعال الجبهة اللبنانية، تلقت السلطات الأمنية والعسكرية في لبنان طلبات طارئة من سفارات دول عربية وغربية عبرت عن مخاوفها من تعرض مراكزها أو موظفيها إلى الخطر كردة فعل على ما يجري.
وأوضح المصدر أنه إلى جانب التحذيرات التي وردت من عواصم عربية وغربية إلى سفاراتها في لبنان، فإن الجهات الأمنية نصحت بعدم بقاء من لا لزوم له، ما أدى إلى مغادرة أكثر من عشرة آلاف أجنبي لبنان منذ بدء الحرب.
لكن اللافت أن الجانب الأميركي أبدى قلقه من تعرض السفارة الأميركية في عوكر ومركز وجود قواته في قاعدة حامات لهجمات على غرار ما يحصل في العراق ودول الخليج العربي. وقد لجأت الجهات الأميركية المعنية إلى إجراءات خاصة، من بينها نقل مستشارين أمنيين وعسكريين إلى مقرات إقامة جديدة في فنادق ومنازل خاصة في لبنان. وقال المصدر الأمني إن الجهات الأمنية الرسمية تعمل على توفير كل عناصر الدعم لمنع تعرضهم لأي اعتداء. برغم أن مسؤولاً رفيعاً أعرب لمسؤولة أمنية أميركية عن اعتقاده بأنه ليس من المتوقع أن يتعرض حزب الله إلى الأجانب في لبنان.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
