آخر الأخبار
الرئيسية » تربية وتعليم وإعلام » صراع البوارج (الإعلامية) في مضيق هرمز!

صراع البوارج (الإعلامية) في مضيق هرمز!

 

سلوى دبوق

 

 

لا تكتفي وسائل الإعلام العالمية بنقل خبر إغلاق مضيق هرمز بوصفه حادثة ملاحية عابرة، بل تتعامل معه كـ«فعل تداولي» يعيد تشكيل الواقع الجيوسياسي ويُوجّه الرأي العام الدولي. في غرف التحرير، من نيويورك إلى برلين، ومن الدوحة إلى باريس، يجلس الصحافيون لينتقوا كلماتهم بعناية تكاد تُشبه دقّة العمليات الجراحية. والمفارقة أن كل وسيلة إعلامية اختارت زاوية مختلفة تماماً لرواية الأزمة نفسها. فماذا قالوا؟ ولماذا قالوه بهذه الطريقة بالذات؟

 

بين لغة الأرقام وأوجاع البشر

لم تكتفِ «بلومبيرغ» بإخبار المتابعين بما حدث، بل دفعتهم إلى الشعور بأنهم مُهددون بشكل شخصي، إذ ركّزت الوكالة العالمية على أرقام محددة: ربع تجارة النفط العالمية وخُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال تمر عبر هذا الممر الضيق.

 

في علم التداولية، يُعرف هذا بـ«فعل التخويف العقلاني»: حيث يغيب الانفعال المباشر ويحلّ مكانه منطق الأرقام، فيصبح الخوف أكثر إقناعاً من أي صورة صادمة. الهدف لم يكن نقل الخبر بقدر ما كان دفع العالم إلى استنتاج واحد: الصمت خسارة، والتحرُّك ضرورة.

 

أما «سي. إن. إن بالعربية»، فاختارت أن تُدير ظهرها للأرقام وتتجه مباشرة إلى ما يمس الإنسان، فوصفت المضيق بأنه «شريان حياة لمئة مليون إنسان» يعتمدون عليه في 80% إلى 98% من غذائهم، فقطر تستورد 98% من غذائها، والإمارات 90%، والسعودية أكثر من 80%. وحين يتحول المضيق من مسألة أسعار إلى مسألة خبز، تتبدل معايير الشرعية ويصبح أي تدخل عسكري قابلاً للتبرير بوصفه دفاعاً عن حياة الناس لا عن أسعار الوقود. هذا ما تُسميه التداولية «أنسنة الأزمة»، وهو من أكثر أساليب الإقناع فاعليةً، لأنه يجعل الاعتراض يبدو كأنه موقف غير أخلاقي.

 

في المقابل، اختارت «فرانس 24» زاوية ثالثة وهي إبراز الانقسام داخل المعسكر الغربي. نقلت القناة الفرنسية التباين بين رغبة إسرائيل في إسقاط النظام الإيراني بأي ثمن، وبين حسابات ترامب المرتبطة بالناخب وكلفة الوقود، فيما اختار الأوروبيون التموضع الاحترازي: «لن نشارك في تأمين الملاحة ما لم يتوقف القصف». هذا ما يُعرف بـ«فعل الاشتراط»: لا رفض صريحاً ولا قبول، بل تعليق الموقف على شرط. وخلف هذا الخطاب، تظهر أوروبا كصوت «عقلاني حكيم» في مشهد يبدو مضطرباً ومندفعاً.

 

من طوكيو إلى برلين: ضحايا لا صلة لهم بالحرب

أوفدت «الجزيرة» مراسليها إلى طوكيو وبكين وكراتشي لتعرض صوراً حيّة: محطات وقود شبه فارغة في الصين واليابان مع ارتفاع ملموس في الأسعار، وارتفاع حاد في كلفة الغذاء في باكستان. كما أوردت بياناتٍ عن وجود 3200 سفينة عالقة في مضيق هرمز، وتراجع حركة العبور بنسبة 97%. هذا ما يُسميه علماء التداولية «استراتيجية الشهادة البصرية»؛ أي لا تُخبر الناس بما يفكرون فيه، بل أَرِهم من يتألم. والمعنى الأعمق هنا واضح: حين يتضرّر الياباني والصيني والباكستاني من حرب لا تخصهم، تسقط فكرة أنّ الأزمة مجرد نزاع إقليمي محدود.

 

اختارت كل وسيلة إعلامية زاوية مختلفةً تماماً لرواية الأزمة نفسها

 

 

أما «دويتشه فيله» الألمانية، فذهبت إلى مستوى أبعد، واختارت أصعب رهان إعلامي: التحذير مما لم يحدث بعد. لفتت إلى أنّ نحو 30% من الأسمدة العالمية تمرّ عبر هرمز، وأن تعطّل هذا المسار سيؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي في أفريقيا وجنوب آسيا، وارتفاع أسعار الحبوب والذرة، وبالتالي تضخّم أسعار الغذاء.

 

الدول الأكثر هشاشة مثل الصومال وباكستان وكينيا وبنغلاديش ستكون أول المتضررين، لافتقارها إلى مخزونات استراتيجية. وهذا ما يُعرف بـ«فعل التحذير المؤجل»: نقل الخطر قبل وقوعه، وربط الحاضر بما قد يصبح واقعاً قريباً. ورغم اختلاف الأسلوب، تشترك الوسيلتان في استراتيجية واحدة: توسيع دائرة المتضررين، إذ لا يبقى أحد بعيداً بما يكفي ليعتقد أنّ الأزمة لا تعنيه.

 

وفي السياق ذاته، انفردت «دويتشه فيله» بمنح البعد البيئي مساحة بارزة، في وقت تجاهلته وسائل أخرى إلى حد كبير، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر نفطي، بل نظام بيئي هشّ يضم شعاباً مرجانية وثروة سمكية تعتمد عليها مجتمعات كاملة. ما يُعرف بـ«المطر الأسود »– الناتج من احتراق الناقلات أو قصف المنشآت النفطية – لا يمثل مجرد حادث عرضي، بل تهديداً بيئياً طويل الأمد. أي استهداف لناقلة أو منشأة قد يُطلق كميات هائلة من النفط في مياه الخليج، التي تتميز بدورة مائية بطيئة، ما يجعل التعافي من التلوث عمليةً قد تستغرق عقوداً.

 

النتيجة لن تقتصر على البيئة، بل ستمتد إلى الاقتصاد الغذائي، إذ ستتضرّر مصائد الأسماك التي تُغذّي ملايين الأسر على سواحل إيران والدول العربية والهند. وهنا تظهر مفارقة تداولية لافتة: حين تتحدث «دويتشه فيله» عن البيئة، فإنها تمارس «فعل التذكير بالعواقب الدائمة» في مواجهة خطاب القوة العسكرية المؤقتة. الرسالة الضمنية بسيطة وقاسية: الحروب تنتهي، لكن آثارها البيئية تبقى. هذا الخطاب موجّه بوضوح إلى الرأي العام الأوروبي الحساس تجاه القضايا البيئية، ليحوّل الأزمة من صراع نفوذ إلى تهديد يمسّ الكوكب بأسره.

 

حين تَقْلِب «شينخوا» الصينية طاولة الردع

وفي مقابل هذا الضجيج الإعلامي، تبرز وكالة «شينخوا» الصينية لتقدم «تداولية مضادة» تقلب الطاولة على الرواية الغربية برمتها. ومن خلال استراتيجية كلامية تعتمد على «تعدد الأصوات» عبر خبراء من الشرق الأوسط وإفريقيا، مارست الوكالة «فعل التعرية» للسياسة الأميركية؛ فصوّرت إرسال آلاف الجنود الأميركيين إلى الشرق الأوسط كرد فعل قسري على وضع فقدت واشنطن السيطرة عليه. هنا، لم يعد مضيق هرمز في الخطاب الشرقي ساحةً لـ «تأمين الملاحة»، بل تحوّل إلى «مسرح لإدارة العجز»؛ حيث يُستبدل «فعل التخويف» الغربي بـ «فعل التهوين من جدوى القوة العسكرية» في حسم صراع لم يُحقق أهدافه الأصلية.

 

في النهاية، حين تجمع هذه التغطيات معاً، تكتشف أنك لم تقرأ خبراً واحداً، بل أفعالاً كلامية مختلفة: «بلومبيرغ» تُخوّف، و«فرانس 24» تشترط، و«سي. إن. إن» تُؤنسن، و«الجزيرة» تُشهِد، و«دويتشه فيله» تُحذّر… بينما تأتي «شينخوا» الصينية لتقوّض وتُعرّي. كلّها تتحدث عن المضيق ذاته، لكن كل واحدة منها تريد منك شيئاً مختلفاً بعد أن تُغلق الصفحة. والقارئ الواعي ليس من يستهلك الخبر، بل من يُفكّكه… ثم يقرر إن كان سيصدّقه

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإمارات غير راضية على «النهار»

    تبلّغت رئيسة مجلس إدارة صحيفة «النهار»، نايلة تويني، من الجهات الإماراتية الممولة عدم رضاها عن أداء الصحيفة خلال خمسة أعوام منذ إطلاق مشروع ...