سلطان الكنج.
كان من بين أسباب ثورة السوريين، وهي أسباب كثيرة اجتماعية وسياسية وطبقية واقتصادية، هو احتكار السلطة وتعيين الأقارب وانتشار المحسوبية وشتى أنواع الفساد المالي والإداري الذي كان ينخر كافة مؤسسات الدولة، بما فيها الأمنية والعسكرية.
وللحقيقة، لم تكن ظاهرة تعيين الأقارب شائعة على نطاق واسع ولم تكن مقتصرة على عائلة دون أخرى إنما كان المعيار هو الولاء المطلق لعائلة الاسد. كانت مجموعة من العوائل تمثل في واقعها “الدولة العميقة”.
ومع اتساع نطاق هيمنة تلك العوائل على مقدرات الدولة وتراجع الأداء الحكومي في تقديم الخدمات في عدة قطاعات من بينها القطاعات الصحية والتعليمية والبلدية، ومع ثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس نهاية 2010 وأوائل 2011 وجد الشعب السوري ما يكفي للخروج بثورة على النظام القائم في آذار 2011، انتقلت أهدافها من المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي إلى إسقاط النظام.
كان العديد من الكفاءات يُحرمون من استحقاقاتهم في التوظيف، إذ إن الأولوية لأقارب كبار المسؤولين الأمنيين، أو لحساب العائلات التي ارتبطت اقتصادياً بالثروة المتزاوجة مع سلطة الأسد، فكان صاحب الكفاءة يعود إلى بلدته يائساً من الحصول على فرصة تتناسب مع كفاءته في بلد تستشري فيه المحسوبيات.
كان نظام الأسد يدير المحسوبية بذكاء. كان يعلن أن هناك مسابقة ويحق لمن تتوفر بهم الشروط التقديم، فيقدمون، ثم، من وراء أبواب الغرف المغلقة، تُعتمد نتائج القبول بما ليس له صلة بالكفاءة أو الخبرة، إنما على أساس العلاقات والمحسوبيات وأحيانا الرشى.
بدأت تتشكل لدى الشعب السوري فوبيا الأقارب، تلك التي بدأت تظهر في وعيهم الجمعي، وتزيد من مخاوفهم. ثمة مخاوف اليوم من استنساخ حالة العوائل “المتنفذة” التي كانت تهيمن على معظم مقدرات البلد، بشكل أو بآخر. في عهد بشار الأسد، كانت للمحسوبيات الأسدية أساليب ووسائل قلّما تعرف عليها الشعب على نطاق واسع.
اليوم يبدو أن هناك تنامياً لنفس الظاهرة لكن دون اكتراث بالشعب، بل تبدو معلنة ويُروج علنا لبعض اللقاءات بين مسؤولين وعوائل باتت اليوم “متنفذة” أيضاً. في سوريا، يشكل هذا الملف حساسية مفرطة لدى السوريين الذين عرفوا وعانوا منه لعقود، حيث كانت سوريا البعث أو سوريا في حقبة الأسد تدار بالولاء والمحسوبية والرشاوى على حساب المصلحة والمهنية والعقل المؤسساتي.
لذا، أي مشهد من تولية الأقارب في سوريا الثورة اليوم، شئنا أم أبينا، يشكل هاجساً مخيفاً يذكّر بعقود الظلام ويفتح الجروح؛ كيف كانت تدار دولة الأسد. حتى من قبل من يروج للسياسات الحكومية أو يبرر لها، ولبعض القرارات الخاطئة، يعرف في قرارة نفسه أنه هو نفسه كان، عندما يتحدث عن نظام الأسد، يتحدث عن الولاء والقرابة التي كانت الذهنية التي تحكم سوريا الاستبداد.
ومن يستمع اليوم للشارع الثوري وغير الثوري، أي الشارع السوري بشكل عام، يسمع أصوات التذمر والتململ بل والتندر بأنها تذكّرهم بالعهد البائد. المشكلة في تعيين الأقارب الآن ليست مشكلة قد تضر العقل المؤسساتي الذي تسعى سوريا الثورة لتطبيقه، بل يشكل استعادة لرمزية حقبة الأسد. السوريون سابقاً لم يعانوا من مظاهر كبت الحريات والقمع الأمني فقط، بل من ذهنية تقريب وتولية الأقارب والأصدقاء، تلك العقلية التي أفشلت سوريا وجعلتها دولة تحتل دائماً مراتب متقدمة في قوائم الفساد.
على سوريا اليوم أن تعي تلك المخاطر الكارثية التي تحول دون خلق دولة تقوم على الطريقة المؤسساتية، بل على شكل دولة قبيلة وليست جمهورية كانت تفتخر بماضيها قبل وصول البعثيين إلى الحكم، الذين هم من رسّخ مفاهيم الولاء والقرابة على حساب الكفاءة والجدارة.
إن أي تعيين يحمل شبهة المحاباة يُقرأ اليوم من خلال هذه الذاكرة المتراكمة، لا بمعزل عنها. قد يقول البعض إن تعيين قريب في موقع ما لا يعني بالضرورة الفساد، خاصة إذا كان يتمتع بالكفاءة والخبرة. وهذا من حيث المبدأ صحيح؛ فالقانون لا يمنع القرابة بحد ذاتها، بل يمنع استغلال المنصب لتحقيق مصالح خاصة. لكن في الحالة السورية، لا يكفي أن يكون القرار قانونيًا، بل يجب أن يكون أخلاقيًا أيضًا يطمئن الرأي العام.
فالثقة بين المواطن والدولة هي الركيزة الأساس في بناء بلد يريد أن يتخلص من تركة الماضي بكل نواحيها، ويبني سوريا التي يستحقها السوريون الذين عانوا وقُتلوا وشُردوا وقدّموا الغالي والنفيس من أجل أن تحكم سوريا تحكم بالجدارة والعقل المؤسساتي بدلًا من أساليب القبيلة والإمارة العشائرية.
ثمة فارق دقيق أيضاً بين “الثقة الشخصية والمؤسساتية” في الدول المستقرة، يمكن احتواء حالات تعيين الأقارب ضمن أطر رقابية صارمة تضمن الشفافية وتمنع تضارب المصالح. أما في الحالة السورية، حيث لا تزال مؤسسات الرقابة ضعيفة، فإن أي إشارة إلى تغليب العلاقات الشخصية على المعايير المهنية قد تُفسَّر باعتبارها مؤشراً على عودة أنماط الحكم القديمة بوجوه جديدة. وهذا ما يضاعف حساسية الملف، حتى لو كانت النيات طيبة، وهي كذلك.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
