مالك صقور
في صباح الجمعة الحزينة ، أو جمعة الألام فاضت روح كوليت خوري لتلتحق بالرفيق الأعلى .
في صباح الجمعة العظيمة ، حين انبثقت أشعة الشمس بمزيج من النور والحزن واكتست شوارع دمشق بسكينة عميقة ، تفتح ياسمين الشام بصمت حزين مودعاً إيقونة من إيقونات دمشق النادرات .
في دمشق – المدينة القديمة ، حيث يتحد المكان والزمان بالتاريخ والجفرافيا ، حيث يعبق الياسمين في هذه الأحياء الأثرية القديمة في شوارعها وأزقتها وعماراتها ستبقى تحمل صدى صوت كوليت خوري .. هذا الصوت الذي بقي مجلجلاً أكثر من ستين عاماً ، مناديا بالحرية والعدالة والمساواة .
في يوم الجمعة العظيمة ، بينما يستعد العالم للاحتفال بالقيامة ، بقيامة السيد المسيح عليه السلام يودع السوريون الأديبة الكبيرة التي أغنت المكتبة العربية برواياتها الجريئة وقصصها التي تحمل هموم الناس وأوجاعهم .
كوليت خوري لم تكن مجرد كاتبة ؛ كانت مرآة من مرايا دمشق ، لا بل من مرايا سوريا والوطن العربي . ومنذ بدايتها كانت جرئية شجاعة ، وهي تناضل من أجل تحرير المرأة ، لأن تحرير المرأة هو تحرير للمجتمع .
بدأت كوليت في عام 1957 بنشر قصائدها الأولى باللغة الفرنسية ، وكان لها صدى جميلاً في الوسط الثقافي . وفي عام 1959 صدرت روايتها ذائعة الصيت (( أيام معه )) . بهذه الرواية دشنت كوليت مرحلة جديدة من كتابة المرأة من حيث الجرأة ، وانهاء سطوة الخوف ، مبشرة بانعتاق المرأة من أدران المجتمع المتخلف . ثم تابعت كوليت ابداعها بين الشعر باللغة الفرنسبة والرواية والقصة والمقالة في الصحف والمجلات العربية .
ولدت كوليت ونشأت في بيت عريق في السياسة مفعم بالأدب . جدها فارس بك الخوري الذي تولى رئاسة الوزراء في سوريا ثلاث مرات . كما كان رئيساً للبرلمان السوري ، كما كان وزيراً للأوقاف ، وللمالية ، وللعدل . ووزارة المعارف (التربية والتعليم ) . وهو من الأباء المؤسسين للجمهورية السورية ، وله يعود الفضل في استقلال سوريا . فعندما احتلت فرنسا سوريا حاولت استمالة الطائفة المسيحية ، فأبلغ الجنرال غورو فارس الخوري بأن فرنسا جاءت لحماية مسيحي الشرق ، فقصد فارس الخوري الجامع الأموي ، يوم الجمعة وصعد المنبر وقال مخاطباً المصلين : ” إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سوريا لحميايتنا نحن المسيحيين من المسلمين ، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري ، وأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلاّ الله ” . فأقبل عليه المصلون وحملوه على الأكتاف وخرجوا به في مظاهرة تطوف أحياء دمشق وانضم إلى المظاهرة مسيحيو دمشق وهم يهتفون : ” لا إله إلاّ الله :
أما قصته في الأمم المتحدة في جلسة لاستقلال فهي مشهورة . وكما يعود له الفضل في استقلال سوريا ، يعود لحفيدته الأديبة الكبيرة كوليت الفضل في جمع أوراقه .
إن رحيل كوليت ليس فقط وداعا لكاتبة كبيرة فحسب ، بل إنه وداع لشاهد على هذا العصر بكل مافيه من أفراح واتراح ، لقد كانت كوليت كما جدها ، وبقيت وطنية بامتياز وفية مخلصة لشعبها ولقرائها .
وكما قالت هي في حفل تأبين الراحل الكبير نزار قباني : ” قصتي مع نزار قصة مرحلة كاملة من تاريخ دمشق بمجتمعها آنذاك ، وسياستها ووطنيتها وحماستها . تلك الحماسة التي كنا نحملها في كياننا .إن غياب نزار ..هو رحيل مرحلة كاملة من هذا الوطن .. سجلّها شعراً … وعشناها نبضاً و أنفاساً وخلجات قلب .. ” .
وإن كان نبيل خوري رئيس تحرير مجلة ” المستقبل ” . وجّه لها ألف سلام .. ذات عمر ، نقول اليوم في هذا اليوم الحزين : .. وإلى كوليت الفين سلام .
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
