آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » السوريون بانتظار التعافي الاقتصادي

السوريون بانتظار التعافي الاقتصادي

وائل مرزا

حين تُطلق وزارة الخارجية والمغتربين السورية، بالشراكة مع منظومة الأمم المتحدة، بيان “أولويات التعافي وخطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية” لعام 2026 من قلب دمشق، فنحن أمام لحظة تمثل إعادة تعريف لطبيعة العلاقة بين الدولة السورية والمجتمع الدولي، وأمام بداية مسار جديد يتقدّم فيه العمل الإنساني والتنموي معاً ضمن إطار وطني واضح.

والمؤكد أن هذه الخطوة، بما حملته من حضور مشترك لقيادة العمل الإنساني والتنموي في الأمم المتحدة، وبما أكدته من التزام بالتنسيق الكامل مع مؤسسات الدولة واحترام سيادتها، تعبّر عن اختراق سياسي ودبلوماسي مهم. لكنها في جوهرها تفتح سؤالاً أكبر: هل سيبقى هذا التقدم في مستوى التخطيط والتعاون الدولي، أم إنه سيتحول إلى تحوّل ملموس في الداخل السوري، وتحديداً في الاقتصاد؟

صحيحٌ أن الخطة التي أعلنت، بأولوياتها الأربع (إعادة تأهيل البنية التحتية، استئناف الخدمات، تعزيز الصمود الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات) تضع إطاراً شاملاً لما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة. وصحيحٌ أنه يضاف إلى ذلك ملف إزالة الألغام، بما يحمله من دلالة عميقة على الانتقال من بيئة حرب إلى بيئة قابلة للحياة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه العناوين لا تُقاس إلا بقدرتها على أن تتحول إلى مشاريع تُنفّذ، وفرص عمل تُخلق، ودورة اقتصادية تُستعاد.

وقد يكون التحول الأهم في هذا الإعلان كامناً في الدمج بين المسارين الإنساني والتنموي. فهذا الدمج، الذي لطالما كان غائباً أو ضعيفاً في تجارب كثيرة، يشكل اليوم فرصة نادرة لسوريا. ذلك أن استمرار العمل الإنساني بمعزل عن التنمية يُبقي المجتمعات في حالة انتظار، في حين أن إدخال البعد التنموي يفتح أفق الاعتماد على الذات. لكن هذا التحول يحمل في الوقت ذاته مسؤولية مضاعفة على الدولة، تتمثل في أن تلتقط هذا التوجّه الدولي، وأن تعيد توجيهه ليخدم عملية بناء اقتصاد حقيقي، بدل أن يكون مجرد إدارة للاحتياجات.

وهنا تحديداً تبرز خصوصية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بوصفها الحلقة التي تربط بين الإنسان والاقتصاد، بين الحماية والإنتاج، بين التعافي والاستقرار. فهذه الوزارة تقع في قلب تلك العملية، وليس على هامشها. ببساطة، لأن أي حديث عن الصمود الاجتماعي والاقتصادي، أو عن إعادة إدماج النازحين، أو عن تنشيط سوق العمل، يمر حكماً عبر بنيتها وأدواتها. فهي، كما هو الحال في كل دول العالم، الوزارة التي تملك مفاتيح الانتقال من منطق الإغاثة إلى منطق التمكين، ومن إدارة الفقر إلى إدارة الفرص.

والحقيقة أن الخطة المعلنة، بكل محاورها، تضع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أمام مسؤولية مضاعفة. فإعادة تأهيل البنية التحتية تحتاج إلى يد عاملة منظمة وسوق عمل فعّال. واستئناف الخدمات يتطلب شبكات حماية اجتماعية ذكية تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه دون هدر. وتعزيز الصمود الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق من دون ربط مباشر بين برامج الدعم وفرص الإنتاج. أما إعادة بناء المؤسسات، فإنها تعني في أحد وجوهها إعادة بناء قدرة الدولة على فهم مجتمعها عبر البيانات، وعلى إدارة هذا الفهم عبر سياسات دقيقة.

أما الدور الجذري للوزارة هنا فإنه يتمثل في قدرتها على تحويل هذه العناوين الكبرى إلى منظومة متكاملة: سجل اجتماعي وطني يحدد الفئات الأكثر هشاشة بدقة، إدارة حالة تتابع الأفراد والأسر بشكل فعلي، برامج تحويلات نقدية مرتبطة بالتأهيل والعمل، ومنظومة سوق عمل قادرة على امتصاص الطاقات وتوجيهها. وهذه ليست تفاصيل تقنية بقدر كونها تمثل البنية التي تُبنى عليها أي عملية تعافٍ حقيقية.

وفي هذا السياق، تصبح العلاقة مع الشركاء الدوليين أكثر حساسية وأهمية في آن واحد. لأن أي دعم خارجي في مجالات الحماية الاجتماعية أو سبل العيش أو التشغيل، إن لم يمر عبر منظومة وطنية تقودها الوزارة، فإنه سيؤدي إلى تكرار التجارب السابقة من التشتت والتوازي. أما إذا اندمج هذا الدعم ضمن إطار وطني واضح، فإنه يتحول إلى رافعة حقيقية لبناء نظام مستدام.

وهنا، تحديداً، يتقاطع ما أُعلن في بيان التعافي مع الحاجة إلى إصلاح اقتصادي داخلي عميق. فالدعم الدولي يفتح الباب، لكن العبور يتطلب بيئة داخلية جاهزة، مثل تبسيط الإجراءات، وتسريع التراخيص، ووضوح القواعد، وتفعيل المؤسسات.. فهذه كلها عناصر لا تقل أهمية عن التمويل نفسه. ذلك أن الاقتصاد لا يتحرك، بشكلٍ فعال، إلا بالثقة، وبغض النظر عن الشعارات والأمنيات الطيبة. وهذه الثقة تُبنى عبر سياسات واضحة، وإجراءات فعالة، وإشارات جدية على أن الدولة قادرة على إدارة التحول.

وفي هذا السياق، تأتي مبادرة “سوريا بلا مخيمات” لتجسد هذا التداخل بين الاجتماعي والاقتصادي. فإعادة النازحين إلى مجتمعاتهم لا تكتمل بإعادة السكن فقط، لأنها تتطلب إعادة إدماج اقتصادي فعلي. فالعمل، والدخل، والخدمات.. هي عناصر الاستقرار الحقيقي. وهنا، مرةً أخرى، تقف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في موقع المِفصَل، القادر على تحويل العودة إلى فرصة إنتاج، وليس إلى عبء إضافي.

إن ما نشهده اليوم هو بداية انتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إدارة التعافي. غير أن هذا الانتقال لن يكتمل ما لم يتحول إلى مشروع اقتصادي-اجتماعي متكامل تقوده الدولة، وتشارك فيه المؤسسات، ويشعر به المواطن في حياته اليومية. فالقضية باتت تتجاوز حجم الدعم، وباتت مرتبطةً بقدرتنا على تنظيمه، وتوجيهه، وتحويله إلى أثر ملموس.

وختاماً، فإن ما أُعلن في دمشق هو فرصة تاريخية. فرصة لإعادة بناء العلاقة مع العالم، وإعادة بناء الاقتصاد في الداخل في آن واحد. غير أن هذه الفرصة تضع أمامنا اختباراً حقيقياً: هل نستطيع أن نحول الخطط إلى أفعال، والدعم إلى إنتاج، والتعافي إلى واقع؟

المؤكد أن الجواب لن يأتي من البيانات، وإنما، فقط، من قدرة الدولة -بكل مؤسساتها، وفي قلبها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل- على أن تقود هذا التحول بثقة، وبوضوح، وبانحياز كامل لكرامة الإنسان السوري.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عون وسلام: فرصة أخيرة!

  ابراهيم الأمين     يحتجّ الرئيسان جوزيف عون ونوّاف سلام على الحملة ضدّهما، ويكثران من التعبير عن ضيقٍ إزاء كلّ رأي يتناقض مع سياساتهما. ...