بقلم: المهندس محمود محمد صقر
ليست المشكلة في مجتمعاتنا أننا تختلف فقط…
بل في الطريقة التي تراكم بها هذا الإختلاف داخل الذاكرة،
حتى أصبح الخوف أحيانًا أقوى من القدرة على الفهم.
فالمنطقة التي عاشت لعقود طويلة بين الحروب والإنقلابات والصراعات والتدخلات، لم تخرج من كل ذلك كما دخلت إليه.
شيئًا فشيئًا، تحولت السياسة من مساحةٍ لإدارة الإختلاف، إلى مساحة خوفٍ متبادل، وتحوّلت الهويات الفرعية من تنوعٍ طبيعي، إلى حالة قلق دائم تبحث عن الحماية أكثر مما تبحث عن الشراكة.
وفي مجتمعاتٍ أنهكتها الحروب،
لا تبقى الأزمات في حدود السياسة فقط، بل تنتقل إلى داخل الإنسان نفسه.
يتغير معنى الأمان، ويصبح الإستقرار حلمًا، ويتحول الخطاب المتوتر إلى جزءٍ من الحياة اليومية،حتى تكبر أجيال كاملة وهي ترى العالم من زاوية الخوف والإنقسام.
وربما هنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة التي نعيشها.
ولعلّ ما يكشف عمق هذا التوتر،
أن المجتمعات المنهكة بالصراع
لا تختلف فقط حول الحاضر،
بل حتى حول ذاكرتها نفسها.
فالشخصيات التاريخية الكبرى،
التي ارتبطت في وعي بعض الشعوب بالقوة والانتصار واستعادة الهيبة،
ترتبط في ذاكرة شعوب أخرى بالخوف والقمع وكلفة بناء تلك القوة.
ولهذا،تبقى الذاكرة منقسمة،
ويبقى التاريخ نفسه قابلًا لقراءات متعددة.
لكن خطورة الأمر لا تكمن في الإختلاف حول الشخصيات أو الأحداث، بل في تحويل أي تجربة تاريخية إلى حقيقة مطلقة خارج النقد، أو إلى شيطان مطلق خارج الفهم.
فالمجتمعات التي لا تقرأ تاريخها بوعي، تبقى أكثر قابلية لإعادة إنتاج صراعاته.
الفكرة الأساسية ليست في تمجيد مرحلة أو إدانة أخرى،
بل في طرح أسئلة أعمق:
كيف تشكّل وعي أجيال كاملة وسط الحروب والتحولات؟ وكيف تحولت بعض الأفكار والخطابات إلى جزء من الذاكرة الجماعية؟
وكيف يمكن الإنتقال من ردّ الفعل الدائم إلى بناء مشروع إنساني أكثر استقرارًا ووعيًا؟
أحاول أن أقترب من هذه الأسئلة بلغة تبتعد عن التحريض والانفعال،
وتقترب من التأمل والفهم،
لأن الأجيال الجديدة لا تحتاج فقط إلى معرفة ما حدث،
بل إلى فهم كيف أثّر ذلك
في طريقة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.
وما يلفتني أكثر في مثل هذه المشاهد،
ليس الشخصيات نفسها فقط،
بل حاجة المجتمعات المستمرة
للبحث عن معنى للإستقرار والقوة وسط الفوضى.
وهذا يرتبط مباشرة بالسؤال الذي يرافق هذه السلسلة:
كيف تتشكل الذاكرة الجماعية؟
وكيف تتحول الرموز إلى جزء من هوية الأجيال؟
وكيف تعيش الشعوب بين الحنين والخوف والأمل؟
لقد عاشت المنطقة طويلًا داخل دوائر الصراع، حتى أصبح كثيرون يعتقدون أن التوتر قدرٌ دائم،
وأن الإستقرار مجرد هدنة مؤقتة.
لكن التاريخ لا يخبرنا فقط كيف انهارت المجتمعات…بل يخبرنا أيضًا كيف استطاعت بعض الشعوب أن تنهض بعد الإنقسام،
حين فهمت أن بناء الدولة لا يبدأ من الغلبة، بل من العدالة، ولا من الخوف، بل من بناء الإنسان.
ولهذا، فإن مواجهة الإنقسام لا تبدأ بالشعارات وحدها، ولا بردود الفعل الغاضبة، بل بإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وبسيادة القانون،
وبحماية الإنسان من الخوف والعوز والتحريض.
فالمجتمعات التي تشعر بالعدالة،
لا تبحث عن الإحتماء بالكراهية.
والمجتمعات التي تملك أفقًا للحياة،
لا تتحول بسهولة إلى ساحات مفتوحة للإنفعال والإنقسام.
ربما لا تحتاج سوريا اليوم فقط إلى حلول سياسية،بل إلى إعادة ترميم الوعي نفسه…وعيٍ قادر على رؤية الآخر خارج لغة التخوين،
وخارج ذاكرة الخوف الطويلة.
ومن هنا،
قد يكون السؤال الحقيقي ليس:
من المخطئ فقط بل :
كيف يمكن تحويل هذه الذاكرة الثقيلة بالصراع…
إلى وعيٍ قادر على بناء مشروع حياة يتسع للجميع
*هذا المقال كتبته بعد أن قرأت مقال السيدة جولي خوري الذي نشره موقع “اخبار سوريا الوطن”الاحد 10 آيار الحالي تحت عنوان”سوريا بين الانقسام والحل..من المسؤول ؟”
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
