متابعة وإعداد:هيثم يحيى محمد
لا يختلف اثنان على أن الدراجة النارية أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لملايين الناس حول العالم، كما هي الحال في سوريا. ففي الأرياف والمناطق البعيدة عن مراكز المدن، تشكل هذه الوسيلة حلاً عملياً واقتصادياً لمشكلة النقل، وتساعد العمال والموظفين والطلاب على الوصول إلى أعمالهم ودراستهم بتكاليف معقولة.
لكن الوجه الآخر للمشكلة يظهر عندما تتحول بعض الدراجات إلى مصدر إزعاج وخطر على المجتمع نتيجة القيادة المتهورة، والسير بعكس الاتجاه، والدخول إلى الحدائق العامة والأرصفة، وعدم ارتداء الخوذة، واستخدام عوادم تصدر ضجيجاً مرتفعاً يتسبب في تلوث سمعي يرهق السكان ويؤثر في جودة الحياة داخل المدن.
وأمام هذه الظواهر ترتفع أصوات تطالب بمنع الدراجات النارية من دخول المدن بشكل كامل. إلا أن التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في معالجة المشكلة لم تتجه إلى المنع الشامل، بل إلى التنظيم الصارم والرقابة الفعالة.
*الدراجات النارية ظاهرة عالمية وليست سورية فقط
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أعداد الدراجات النارية تشهد نمواً متسارعاً في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بسبب انخفاض كلفتها مقارنة بالسيارات وسهولة استخدامها. كما تؤكد المنظمة أن إصابات الرأس تشكل السبب الرئيسي لوفيات سائقي الدراجات النارية، وأن استخدام الخوذ المطابقة للمواصفات يقلل خطر الوفاة بشكل كبير ويخفض إصابات الدماغ الخطيرة بصورة ملحوظة. كما تبين المنظمة أن معدلات ارتداء الخوذ يمكن أن تتجاوز 90% عندما تقترن القوانين بالتطبيق الصارم والعقوبات الرادعة.
ورغم انتشار الدراجات النارية عالمياً، فإن عدداً محدوداً فقط من الدول يطبق ما تعتبره منظمة الصحة العالمية أفضل الممارسات المتعلقة بقوانين الخوذ والسلامة المرورية، ما يوضح أن نجاح التنظيم لا يرتبط بالقوانين وحدها، بل بجدية تنفيذها على أرض الواقع.
*فيتنام: نموذج للتعايش مع الملايين من الدراجات
تُعد فيتنام من أكثر دول العالم اعتماداً على الدراجات النارية، حيث يوجد عشرات الملايين من الدراجات المسجلة وتشكل الوسيلة الرئيسية للتنقل بالنسبة لغالبية السكان. ورغم هذا الانتشار الواسع، لم تلجأ السلطات إلى الحظر، بل ركزت على فرض الخوذ الإلزامية وتنظيم الحركة المرورية وتشديد الرقابة على المخالفات. وتشير البيانات الرسمية إلى أن الدراجات النارية ستبقى وسيلة النقل الأساسية خلال السنوات المقبلة بسبب أهميتها الاقتصادية والاجتماعية.
*أوروبا: مواجهة الضجيج لا مواجهة الدراجات
في العديد من المدن الأوروبية لا تتمثل المشكلة الرئيسية في وجود الدراجات النارية بحد ذاتها، بل في الضجيج الناتج عن التعديلات غير القانونية على العوادم. لذلك اتجهت بعض الدول إلى تشديد الفحص الفني الدوري، وفرض غرامات على الدراجات التي تتجاوز الحدود المسموح بها للضوضاء، واستخدام تقنيات رقابية لقياس مستويات الضجيج في الشوارع. كما تفرض التشريعات الأوروبية معايير صارمة للانبعاثات والضوضاء على المركبات الجديدة.
وفي بعض المناطق السياحية أو السكنية الحساسة يتم تقييد حركة الدراجات في أوقات محددة أو على طرق معينة، لكن من دون اللجوء إلى منعها بشكل كامل، حفاظاً على دورها في التنقل وتقليل الازدحام المروري.
*الهند: العقوبة مرتبطة بالسلامة
في الهند، حيث تنتشر الدراجات النارية على نطاق واسع، أظهرت الإحصاءات أن نسبة كبيرة من وفيات سائقي الدراجات كانت بين أشخاص لم يكونوا يرتدون الخوذ الواقية. كما كشفت بيانات رسمية أن عدم الالتزام بالخوذة وحزام الأمان ساهم في نسبة كبيرة من الوفيات المرورية. لذلك بدأت بعض المدن بتطبيق إجراءات مبتكرة مثل سياسة “لا خوذة… لا وقود”، بحيث يُمنع تزويد سائق الدراجة بالوقود إذا لم يكن يرتدي الخوذة.
*كيف يمكن أن تستفيد سوريا من هذه التجارب؟
إن الظروف الاقتصادية والمعيشية الحالية تجعل من الصعب الاستغناء عن الدراجات النارية كوسيلة نقل مهمة لشريحة واسعة من المواطنين. لذلك يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو تنظيم استخدامها بدلاً من منعها.
ويمكن تحقيق ذلك عبر مجموعة من الإجراءات العملية منها:
تسجيل جميع الدراجات النارية ومنحها لوحات نظامية واضحة.
إلزام السائق والراكب بارتداء الخوذة الواقية.
فرض غرامات مرتفعة على السير بعكس الاتجاه.
مصادرة العوادم المعدلة التي تسبب ضجيجاً مفرطاً.
منع قيادة الدراجات داخل الحدائق العامة والأرصفة وممرات المشاة.
تشديد الرقابة على القيادة الاستعراضية والمخالفات الخطرة.
تخصيص أماكن نظامية لوقوف الدراجات داخل المدن.
تنفيذ حملات توعية مرورية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام.
استخدام الكاميرات والتقنيات الحديثة لرصد المخالفات المرورية.
تخصيص مسارات للدراجات في بعض الشوارع الواسعة عندما تسمح البنية التحتية بذلك.
*ختاماً
إن المشكلة ليست في الدراجة النارية نفسها، بل في طريقة استخدامها. فالدول التي نجحت في حماية مواطنيها من الحوادث والإزعاج لم تلغِ هذه الوسيلة من حياتها اليومية، بل وضعت قواعد واضحة والتزمت بتطبيقها على الجميع. وبين المنع المطلق والفوضى الكاملة يوجد طريق ثالث أكثر توازناً: السماح باستخدام الدراجات النارية كوسيلة نقل ضرورية، مع فرض احترام القانون وحقوق الآخرين في الأمن والهدوء والسلامة العامة.
فحين يشعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، تتحول الدراجة النارية من مصدر شكوى وإزعاج إلى وسيلة نقل مفيدة تخدم الفرد والمجتمع معاً




(أخبار سوريا الوطن-الصحة العالمية -دراسات واحصائيات مرورية عالمية)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

