بقلم: جمعان العمير
العدالة الانتقالية ليست انتقاماً، بل هي الطريق الذي يحمي المجتمع من تكرار المأساة ويمنع الانتهاكات من أن تعود مرة أخرى. فالدولة التي نؤمن بها ونقف معها اليوم لا تخشى الحقيقة ولا تخشى المحاسبة، لأنها تعرف أن العدالة هي أساس الشرعية، وأن كشف الحقيقة هو أول خطوة نحو استقرار حقيقي لا يقوم على الصمت ولا على دفن الألم تحت الركام.
وأنا، كأحد أبناء الضحايا، أعرف معنى أن تنتظر عائلة خبراً عن ابنها لسنوات، وأعرف كيف يصبح غياب الحقيقة جرحاً مفتوحاً لا يندمل. ومع ذلك، أقول إن العدالة الانتقالية ليست سيفاً للثأر، بل درعاً يحمي الوطن من الانزلاق من جديد، ويحمي الناس من أن يعيشوا المأساة ذاتها مرة أخرى.
فلا يمكن بناء مستقبل آمن بينما آلاف الضحايا ينتظرون العدالة، وآلاف العائلات ما زالت تبحث عن الحقيقة. ولا يمكن أن نطلب من الناس أن يطووا صفحة الماضي بينما الحقيقة غائبة، ولا يمكن أن نطالبهم بالثقة بينما من تسببوا في مأساتهم لم يخضعوا للمساءلة.
فالدولة القوية هي التي تواجه أخطاء أفرادها بالقانون لا بالإنكار، وهي التي تعيد الثقة لمواطنيها عبر احترام آلامهم لا عبر تجاهلها. والعدالة الانتقالية ليست تهديداً للدولة، بل ضمانة لها، لأنها تمنع تكرار الانتهاكات، وتعيد بناء المؤسسات على أسس أكثر صلابة، وتمنح المجتمع شعوراً بأن القانون يحمي الجميع، وأن الدولة تقف مع الضحايا لا ضدهم، وأن المستقبل يمكن أن يكون أكثر أمناً وإنصافاً.
إن العدالة ليست انتقاماً، بل هي الطريق الوحيد لإغلاق صفحة الحرب دون أن ندفن الحقيقة معها، والطريق الوحيد لبناء سوريا جديدة يشعر فيها كل مواطن أن حياته مصانة، وأن كرامته محفوظة، وأن الدولة التي يقف معها تقف معه أيضاً، وأن الوطن لا يمكن أن ينهض إلا حين يعرف كل صاحب حق أن حقه لن يضيع، وأن دماء الأبرياء لن تتحول إلى مجرد أرقام في الذاكرة الوطنية
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

