بقلم: شادي أحمد
من بين جميع المعادن، ينفرد الحديد في القرآن الكريم بأن خُصَّ بسورة تحمل اسمه، في دلالة تلفت الانتباه إلى مكانته ودوره في حياة الإنسان. فالحديد ليس مجرد معدن، بل رمز للقوة التي يمكن أن تكون وسيلة لإقامة العدل والإعمار، كما يمكن أن تتحول إلى أداة للبأس والعدوان.
قال تعالى:
“وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ”
فالآية الكريمة تجمع بين القوة والمنفعة، لتؤكد أن قيمة الحديد لا تكمن في مادته، وإنما في الغاية التي يُستخدم من أجلها. فهو في الأصل وسيلة للبناء، وسقف يحمي، وجدار يؤوي، وأعمدة تُعمر بها الأرض، وأداة تُصان بها حياة الناس وتحفظ بها كرامتهم.
وفي قصة نبي الله داود عليه السلام، كان تطويع الحديد تجسيدًا لهذه الرسالة؛ إذ قال تعالى:
“وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ”
فكان الحديد وسيلة لصناعة الدروع التي تحمي الأرواح وتدفع العدوان، لا أداةً لهدم البيوت أو ترويع الآمنين أو إسقاط الأسقف فوق رؤوس أصحابها.
غير أن المعادن الصامتة لا تحمل أخلاقًا بذاتها، وإنما تعكس أخلاق من يستخدمها. فإذا تحولت أدوات الإعمار إلى وسائل للخراب، وأصبح ما شُيّد بعرق السنين مادةً للتدمير أو التجارة الضيقة أو الاستقواء على الضعفاء، خرج الحديد عن رسالته الحضارية، وأصبح شاهدًا على انحراف الإنسان قبل أن يكون مجرد مادة صماء.
إن سنن الله في الكون لا تتغير؛ فالقوة التي تُبنى على العدل تبقى مصدر أمن واستقرار، أما القوة التي تُستخدم في العدوان وسلب حقوق الناس، فإنها تتحول إلى عبء أخلاقي وتاريخي، مهما بدا أصحابها أقوياء في لحظة من الزمن.
ولعل في قوله تعالى عن أهل النار:
“وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ”
تذكيرًا بأن الحديد الذي قد يُساء استخدامه في الدنيا، يصبح رمزًا للعقاب في الآخرة لمن جعل القوة وسيلة للظلم والطغيان، لا لتحقيق الحق وصيانة كرامة الإنسان.
إن القوة المادية إلى زوال، أما آثارها فتبقى شاهدة في ذاكرة الشعوب والتاريخ. واللبيب من أدرك أن البأس إذا لم يكن مقترنًا بالعدل، واحترام الإنسان، وصيانة البيوت والحرمات، انقلب على صاحبه، وكانت عاقبته الخسران.
فالحديد، في ميزان القيم، ليس بما يصنعه من قوة وإنما بما يحققه من عدل، وما يبنيه من عمران، وما يحفظه من كرامة الإنسان
(موقع اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

