بشار الفارس
تشهد مدينة بانياس في ريف طرطوس منذ سنوات تزايداً في المخاوف المرتبطة بالتلوث البيئي الناتج عن عمل مصفاة بانياس والمحطة الحرارية، وسط حديث متزايد عن انعكاسات صحية وبيئية تطال السكان في المدينة والمناطق المحيطة بها.
ويشير سكان إلى تزايد حالات الأمراض التنفسية والإصابات الصحية المزمنة خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الانبعاثات المتكررة للدخان والغازات الصادرة عن المنشأتين، الأمر الذي أثار مخاوف لدى الأهالي، كما يقولون إن آثار هذه الانبعاثات امتدت إلى الأشجار المثمرة والأراضي الزراعية.
آثار تمتد إلى السكان والزراعة
يقول محمود يوسف، أحد سكان المنطقة المجاورة للمحطة الحرارية في مدينة بانياس، لـ”الثورة السورية”: “منذ طفولتي وحتى اليوم، تسببت هذه المحطة بأضرار كبيرة على حياتي الصحية والمعيشية والزراعية. أعاني أنا وأفراد عائلتي من مشكلات صحية وتنفسية مستمرة نتيجة الدخان والانبعاثات الصادرة عن المحطة الحرارية، ومن أبرزها ضيق التنفس، والتهابات الجيوب الأنفية، والأمراض التنفسية المزمنة، كما أن أخي وأختي يعانيان أيضاً من أمراض تنفسية مرتبطة بشكل مباشر بالتلوث الناتج عن المحطة”.
وأضاف: “تعد المنطقة المحيطة بالمحطة منطقة زراعية معروفة، وتشتهر بزراعة البندورة داخل البيوت البلاستيكية، وهي أقل تأثراً نسبياً بسبب الحماية التي توفرها هذه البيوت، أما المزروعات المكشوفة، مثل أشجار الرمان والتين والبرتقال، إضافة إلى الأزهار والنباتات المختلفة، فقد تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة الرواسب والملوثات الناتجة عن المحطة الحرارية”.
وتابع: “تزداد هذه الأضرار خلال فصل الصيف بسبب ارتفاع نسبة الرطوبة وضعف حركة الرياح، ما يؤدي إلى ترسب الدخان والشوائب على المزروعات بصورة أكبر، وقد وصلت نسبة الضرر في محاصيلي الزراعية إلى نحو 70 بالمئة، ويمكن لأي شخص يدخل إلى المزرعة ملاحظة آثار التلوث بوضوح، إذ تظهر ثقوب وحروق على أوراق النباتات والأشجار المثمرة، ولا سيما عند أطراف الأوراق، نتيجة التعرض المستمر للانبعاثات”.
وتعرف مدن الساحل السوري بطبيعتها البحرية ومناخها المعتدل، إلا أن بعض المناطق الصناعية شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيرات في الواقع البيئي مع تزايد النشاط الصناعي وكثافة الانبعاثات.
وفي مدينة بانياس، التي تضم منشآت رئيسية في قطاع الطاقة، أصبحت آثار التلوث جزءاً من الحياة اليومية للسكان، مع امتداد الروائح والرواسب إلى الأحياء السكنية القريبة، وتفاوت حدتها تبعاً للظروف الجوية واتجاهات الرياح.
ويضيف يوسف: “لم تعد الحياة اليومية تسير بصورة طبيعية في المنطقة، إذ لا نستطيع ترك أي أغراض على الشرفات أو أسطح المنازل بسبب تراكم الدخان والرواسب السوداء، وحتى السيارات تتعرض باستمرار للتلوث وما يسببه من أضرار، وتصل هذه الآثار أيضاً إلى مدينة بانياس بدرجات متفاوتة تبعاً لاتجاه الرياح، فعندما تهب الرياح الجنوبية أو الغربية تمتد الانبعاثات نحو المدينة، ويتأثر عدد كبير من السكان بالأضرار الصحية والبيئية نفسها”.
وتعد مصفاة بانياس والمحطة الحرارية من أبرز المنشآت الصناعية في الساحل السوري، وتؤديان دوراً رئيسياً في قطاعي الطاقة والكهرباء، وفي المقابل، يثير استمرار الانبعاثات والروائح مخاوف لدى السكان، مع تزايد المطالب باتخاذ إجراءات تحد من الآثار البيئية والصحية، وتحسن الواقع البيئي في المدينة.
الرقابة البيئية والحلول المقترحة
يقول المواطن سعد أبو ياسر لـ”الثورة السورية”: “تقع المحطة الحرارية على مسافة قريبة جداً من الأحياء السكنية، ورغم أنها منشأة كبيرة ومهمة تؤمن الكهرباء للبلاد، فإن أهالي بانياس يدفعون ثمن ذلك من صحتهم وحياتهم اليومية، حيث أن فتح النوافذ لاستنشاق الهواء يعني استنشاق رائحة الفيول والدخان الأسود، حتى أصبح التلوث جزءاً من المشهد اليومي في المدينة، وأصبحت الرواسب السوداء تتساقط على المنازل والشوارع والممتلكات بشكل مستمر”.
وأردف: “انعكس هذا التلوث على صحة السكان، حيث ازدادت حالات ضيق التنفس، وآلام الصدر، والحساسية، والربو، والأمراض التنفسية المختلفة، نتيجة قرب المحطة من التجمعات السكنية واستمرار الانبعاثات”.
وبحسب قوله، فإن “الأضرار امتدت أيضاً إلى البيئة البحرية التي تعد مصدر رزق لكثير من أهالي المنطقة، فالبحر يتعرض بين الحين والآخر لتسربات من مادة الفيول، ما يؤدي إلى تغير لون المياه إلى الأسود، ونفوق الأسماك، وإلحاق الضرر المباشر بالصيادين وحرمانهم من مصدر رزقهم، وقد تكون بعض هذه الحوادث ناتجة عن أخطاء فنية، إلا أن آثارها تبقى كبيرة على السكان والبيئة”.
ويختم حديثه قائلاً: “نعاني باستمرار من هذه المشكلة، ونتمنى إيجاد حلول حقيقية وعاجلة للحد من التلوث وآثاره الصحية والبيئية، لما لها من تأثير مباشر على حياة الناس وصحتهم، وعلى البيئة والمنظر العام للمدينة”.
وفي ردها على أسئلة “الثورة السورية”، أوضحت مديرية البيئة في طرطوس أن محطات توليد الطاقة الكهربائية تعد من المنشآت الحيوية الكبرى التي تزود المنازل والقطاعات الاقتصادية بالطاقة، كما أنها من أبرز مصادر التلوث في المحافظة.
وذكرت أن من مهام المديرية تنفيذ الرقابة البيئية الدورية على المنشآت الصناعية، ومنها محطة توليد بانياس ومصفاة بانياس، مشيرة إلى أن الجولات التفتيشية أسفرت عن إعداد تقارير رفعت إلى محافظ طرطوس، تضمنت ملاحظات وتوصيات تهدف إلى الحد من الملوثات الغازية والسائلة، وإلزام المنشآت بتنفيذها.
وأشارت المديرية إلى أنه في آخر جولة تفتيش بيئي للمصفاة والمحطة، وبعد معاينة المنشأتين جرى رفع تقرير إلى المحافظ تضمن عدداً من المقترحات، من أبرزها استخدام الفيول غاز بدلاً من الفيول أويل في تشغيل المنشآت، ومعالجة العوائق الفنية والإدارية التي تحول دون تنفيذ هذا الإجراء، بهدف الوصول إلى الحدود المسموح بها وفق المواصفات القياسية السورية الخاصة بالانبعاثات الغازية.
التقرير أوصى أيضاً بإجراء صيانة دورية للحراقات والأفران، بما يحقق أعلى كفاءة لاحتراق الوقود، ودراسة خيارات فنية لتخفيض نسب الملوثات الغازية، مثل استخدام محسنات احتراق الفيول، أو تركيب أجهزة لمعالجة الانبعاثات واستخلاص الملوثات الضارة.
وأكدت المديرية أن محطة توليد بانياس ومصفاة بانياس منشأتان حكوميتان، وأن الجهة المخولة باتخاذ القرار في ضوء تقارير التفتيش هي المجلس الأعلى لحماية البيئة، وفق أحكام البند /3/ من المادة /10/ من قانون البيئة رقم /12/ لعام 2012.
وحول الحلول المقترحة، أوضحت المديرية أنها تقوم على مسارين، يتمثل الأول في الاعتماد على الفيول غاز بدلاً من الفيول أويل، باعتباره أقل انبعاثاً للملوثات، مع إلزام المنشآت بتنفيذ محطات لمعالجة الانبعاثات الغازية والسائلة، بما يحقق الحدود المسموح بها وفق المواصفات القياسية السورية.
أما المسار الثاني، فيقوم على التوسع التدريجي في استخدام الطاقات البديلة والمتجددة لتأمين احتياجات الطاقة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والحد من مستويات التلوث.
وتواصلت صحيفة “الثورة السورية” مع مديرية الصحة في محافظة طرطوس، عبر دائرة العلاقات الإعلامية، للحصول على رد بشأن الآثار الصحية المرتبطة بالانبعاثات، إلا أنها لم تتلقَّ أي إجابة.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

