حاوره: علي نفنوف
ضمن معرض «تساؤلات» الذي احتضنه غاليري «الآرت هاوس» بدمشق، قدّم الفنان التشكيلي بسام الحجلي عشر لوحات حملت رؤيته الخاصة للطبيعة والزمن والإنسان، عبر لغة تشكيلية تنفتح على التجريد، وتستند إلى خبرة بصرية طويلة جعلت من اللون مساحةً للتأمل، ومن اللوحة كائناً يمتلك هويته الخاصة.
في هذا الحوار، يتحدث الحجلي عن فلسفة مشاركته في المعرض، وعن العلاقة بين الفن والهوية، والبحث الجمالي، ودور الفنان السوري في زمن التحولات، مؤكداً أن اللوحة ليست إجابة، بل سؤال مفتوح على احتمالات التأويل.
• يحمل عنوان المعرض «تساؤلات» بعداً فلسفياً، ما السؤال الأساسي الذي أردت طرحه من خلال أعمالك؟ وهل ترى أن مهمة الفنان تقديم الإجابات أم فتح أبواب جديدة للتأويل؟
يحمل عنوان «تساؤلات» وصفاً دقيقاً للحالة الإنسانية والهوية السورية في هذه المرحلة. هل أنا سوري؟ هل أنا مواطن؟ هل أنا إنسان؟ وهل يحق لي أن أعيش في وطني بأمن وكرامة وعدالة، كما يحق لأي إنسان؟ هذه هي الأسئلة التي أحملها إلى اللوحة، وأؤمن أن دور الفنان ليس تقديم أجوبة جاهزة، بل إثارة الأسئلة في وجدان المجتمع، لأن الفن الحقيقي يبدأ من السؤال.
• قدّمت في المعرض عشر لوحات تتمحور حول تجليات الطبيعة، لكن المتلقي لا يجد طبيعة واقعية مباشرة، بل فضاءات أقرب إلى الحلم، كيف تفسر ذلك؟
**لوحاتي ليست تصويراً للطبيعة بمعناها المباشر، بل هي فضاءات للمكان، وتشابكات للأفكار، وارتباكات للواقع. أعمل ضمن ما أسميه الواقعية السريالية الحديثة، حيث يتداخل الحلم مع الواقع، ويولد واقع جديد يحمل بصمة الفنان أكثر مما يعكس المشهد الخارجي.
•يرى النقاد أن الشكل يغيب في أعمالك ليحضر عبر أثره، كيف تبني العلاقة بين المرئي والمخفي؟
**مع تطور تجربتي واتساع بحثي في الأبعاد الكونية، أصبحت اللوحة بالنسبة إليّ كائناً يحمل هويته الخاصة. إنها تنقل المتلقي إلى زمان ومكان آخرين، وتوثق مشهدية تلامس الحالة العامة للمجتمع، وتترك للغائب أن يكون أكثر حضوراً من المرئي.
•تتكرر في أعمالك لحظات الشروق والغروب، ماذا تمثل لك هذه اللحظات؟
**الشروق والغروب هما الزمن في أكثر حالاته كثافة. لوحاتي تراقص الزمن وتتمرد عليه، وتنحاز إلى الحرية وكسر القيود. فالعمل الفني هو حصيلة جدلية بين العقل والروح والوجود، وخلف كل صراع أرى أملاً مجهولاً يشبه ما نعيشه اليوم في وطننا.
•اللون في أعمالك يحمل طاقة خاصة، كيف تولد منظومتك اللونية؟
**اللوحة عندي معزوفة تُنسج بالألوان والخطوط والمشاعر. تتراكم طبقات اللون حتى تبلغ حالة الإشباع، ويخلق اللون الأسود، مع بقية الألوان، توتراً بصرياً يمنح العمل عمقه. وفي النهاية أكتشف أن اللوحة تحمل شيئاً يتجاوز إرادة الفنان، وكأن التناغم هو الذي اختار اللون والتكوين.
•تترك مساحة واسعة لتأويل المتلقي، هل هذا خيار مقصود؟
**بكل تأكيد..اللوحة حلم حلمته على القماش، وما أجمل أن يشارك المتلقي هذا الحلم، وأن يقرأ فيه ما تسمح به تجربته ووعيه وخياله.
•كيف تبدأ رحلتك مع اللوحة؟
**علاقتي باللوحة علاقة عشق. تبدأ وهي ممددة على الأرض، أؤسسها بالأكريليك، ثم تبدأ رحلة الحوار بيني وبينها باستخدام الزيت والسكين. وفي كل مرحلة أصغي إليها، حتى تصبح هي التي تقودني إلى نهايتها.
•لماذا تجمع بين الأكريليك والزيت في العمل الواحد؟
**الأكريليك يمنحني البنية الأولى وإشراق الخلفية، ثم يأتي الزيت ليبني الطبقات النهائية ويمنح اللوحة عمقها. لذلك فإن العمل، في النهاية، يحمل روح اللوحة الزيتية المتحفية، ويختصر خبرتي الفنية المتراكمة.
•لماذا ما زلت متمسكاً بالتجريد في زمن الصورة الواقعية؟
**الصورة الواقعية توثق مشهداً، أما التجريد فيخلق عالماً جديداً. اللوحة بالنسبة إليّ هوية، وصرخة، وأثر لرحلة وجودي. وما يتركه التجريد في ذاكرة المتلقي لا تستطيع الواقعية أن تبلغه، لأنه يخاطب الخيال بقدر ما يخاطب العين.
•أين تضع هذه التجربة ضمن مسارك الفني؟
**بعد معارض «المعروفة البصرية» في قطر، و«رسائل كونية» في دبي، و«جدليات 234» في دمشق، جاءت هذه التجربة لتجيب عن سؤال شخصي: هل استطعت أن أنقل حقيقة هذه المرحلة بصدق؟ وما زلت أرى نفسي فناناً متمرداً، أبحث دائماً عن مشهد جديد، لأن اللوحة هي مرآة روحي عبر الزمن.
•كيف تقرأ الحوار الذي جمع الرسم والنحت في معرض واحد؟
**الاختلاف هو ما يصنع التناغم. لقد كان المعرض حواراً بين رؤى متعددة، تدعو المشاهد إلى البحث عن الرابط الذي يجمعها. والوطن أيضاً لا يكتمل إلا بتعدد أصواته وتجارب أبنائه.
•كيف تنظر إلى دور الفنان السوري اليوم؟
**عاصرت تجارب فنية في بلدان مختلفة، وأؤمن أن الفن السوري قادر على استعادة حضوره كما كان في زمن الرواد، رغم تحديات العولمة والميديا والذكاء الاصطناعي. لكن ذلك يحتاج إلى الحرية والثقافة والتفرد، لأن الفن الحقيقي هو الذي يصنع هوية الإنسان والوطن.
•ما المشروع الذي تعمل عليه بعد «تساؤلات»؟
**مشروعي القادم يحمل عنوان «رحلة الأحمر»، ويتناول الخوف والوجع وفوبيا الدم في الوجدان السوري، في محاولة لطرح سؤال كبير: هل نستطيع تجاوز كل هذا الألم، وأن نبدأ حياة جديدة؟
•أخيراً… لو استطاعت إحدى لوحاتك أن تتحدث إلى من يقف أمامها، ماذا ستقول؟
**ستسأله: يا أخي في الحياة… يا ولدي… يا ابنتي… أيها الإنسان، هل ما زلنا قادرين على بناء مستقبل يُنصف الجميع ويستحق أن نعيش فيه بكرامة؟











(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

