بقلم:م. حسان نديم حسن
لعقود طويلة، اعتاد العالم قراءة الشرق الأوسط من خلال خرائط النفط، وخطوط الغاز، والممرات البحرية، والتحالفات العسكرية. واليوم يفرض متغير جديد نفسه على حسابات السياسة والأمن والاقتصاد، هو المياه. فقد أصبحت أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية، والعامل الأكثر تأثيرًا في الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، وقد تتحول خلال العقود المقبلة إلى أحد أبرز محددات العلاقات الإقليمية.
تكشف الخريطة المرفقة حقيقةً كثيرًا ما تغيب عن النقاش العام. ففي أعماق أكثر صحارى العالم جفافًا تمتد أحواض مائية جوفية هائلة تشكلت عبر آلاف، وربما ملايين، السنين، فيما يُعرف بالمياه الأحفورية. إنها ثروة جيولوجية نادرة لا تعتمد على معدلات الأمطار الحالية ولا على السياسات الزراعية المعاصرة، وإنما على مخزون طبيعي تراكم عبر العصور، ويتجدد ببطء شديد، أو لا يتجدد في بعض الأحواض.
وفي منطقتنا، التي تعاني شح الموارد المائية، وتزايد السكان، وتسارع آثار التغير المناخي، أصبحت المياه قضية تتجاوز حدود البيئة والزراعة لتدخل في صميم الأمن القومي وصناعة القرار السياسي.
*الأحواض الجوفية… عندما تتجاوز الطبيعة الحدود
المياه الجوفية لا تعترف بالحدود السياسية؛ فالأحواض المائية الكبرى، مثل حوض الحجر الرملي النوبي في شمال أفريقيا، وأحواض واسعة في شبه الجزيرة العربية، تمتد تحت أراضي عدة دول في الوقت نفسه.
وهنا تكمن إحدى أكثر القضايا تعقيدًا؛ إذ إن إدارة هذه الخزانات المشتركة ما زالت تفتقر، في كثير من الحالات، إلى اتفاقيات شاملة وآليات رقابة فعالة، وهو ما يفتح المجال أمام تنافس هادئ على استثمارها.
ومع تطور تقنيات الحفر والاستكشاف، تزداد قدرة الدول المتقدمة تقنيًا على استغلال هذه الموارد بكفاءة أعلى، الأمر الذي قد يخلق تفاوتًا في الاستفادة من الأحواض المشتركة إذا غابت الإدارة الجماعية والتنسيق الإقليمي.
إنها منافسة لا تُقاس بعديد الجيوش، وإنما بقدرات الهندسة، والتكنولوجيا، وإدارة الموارد.
*المياه السطحية… الجغرافيا بوصفها عنصر قوة
تكشف الأنهار الكبرى كيف تتحول الجغرافيا إلى ورقة نفوذ سياسي. فدول المنبع تمتلك، بحكم موقعها الطبيعي، قدرة مؤثرة على التحكم في تدفقات المياه نحو دول المصب، وهو ما يجعل مشاريع السدود الكبرى جزءًا من معادلات الأمن القومي والتنمية والعلاقات الإقليمية.
ولهذا أصبحت المفاوضات حول الأنهار العابرة للحدود من أكثر الملفات حساسية، لأنها تمس المياه والطاقة والزراعة والغذاء في آن واحد، وتفرض على جميع الأطراف البحث عن توازن يحفظ حق التنمية وحق الوصول إلى المياه.
*اقتصاد الندرة… كلفة تزداد عامًا بعد عام
أصبحت ندرة المياه تحديًا اقتصاديًا مباشرًا؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن آثار شح المياه المرتبطة بالتغير المناخي قد تؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد تصل، في بعض السيناريوهات، إلى نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول منتصف القرن.
هذا الواقع يدفع الحكومات إلى استثمارات ضخمة في تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتطوير شبكات النقل، وتحسين كفاءة الري، ورفع كفاءة إدارة الطلب على المياه.
وتفرض هذه المشاريع أعباءً مالية وتقنية كبيرة، وهو ما يجعل امتلاك التكنولوجيا والخبرة الوطنية عاملًا لا يقل أهمية عن امتلاك المورد نفسه.
*الأمن المائي… البعد الجديد للأمن القومي
أصبح الأمن المائي جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني. فاستمرار الجفاف قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء، واتساع الهجرة الداخلية، وزيادة الضغوط على المدن، وهي عوامل قد تسهم في رفع مستويات الهشاشة الاجتماعية عندما تتزامن مع أزمات اقتصادية أو سياسية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت السدود، ومحطات التحلية، ومحطات الضخ، وشبكات النقل، من أكثر البنى التحتية حساسية، سواء في النزاعات المسلحة أو في الهجمات السيبرانية التي تستهدف أنظمة التحكم الرقمية.
وأصبحت حماية هذه المنشآت تتطلب منظومة متكاملة تشمل الهندسة، والأمن السيبراني، وإدارة المخاطر، والتخطيط طويل الأمد.
قد لا تكون المياه سببًا مباشرًا لكل الصراعات، لكنها أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
وخلال القرن العشرين، شكّل النفط محور التنافس الاستراتيجي، أما العقود المقبلة فقد تشهد تصاعد أهمية المياه بوصفها موردًا لا يقل تأثيرًا في موازين القوة والاستقرار.
فالدول التي ستنجح في المستقبل ليست تلك التي تمتلك أكبر احتياطيات مائية فحسب، وإنما تلك التي تحسن إدارتها، وتحمي مصادرها، وتستثمر في التكنولوجيا، وتبني شراكات إقليمية قادرة على تحويل الندرة إلى تعاون بدلًا من أن تتحول إلى مصدر دائم للتوتر.
فالمستقبل لا يصنعه امتلاك الموارد وحده، وإنما تصنعه القدرة على إدارتها
بحكمة ورؤية بعيدة المدى

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

