حوار وتقديم: علي نفنوف
من الجنوب اللبناني، حيث محاكاة الأرض الصلبة مع رهافة الياسمين، يخرج صوت شعري أنثوي باذخ اختار أن يجعل الحب لغةً، وأن يجعل القصيدة وطنًا آخر للروح. هناك، تقف الشاعرة سميحة عطية مثل أرزةٍ لا تنحني لعواصف الزمن، فيما تنساب كلماتها كأنها قيثارة تعزف على أوتار القلب، فتمنح الحب معنى يتجاوز العاطفة إلى رؤية للحياة.
وتمتلئ خوابي الأبجدية في شعرها النبيل.
في شعرها لا يبدو العشق حادثة عابرة، بل قدرًا يكتب اللغة قبل أن تكتبه اللغة. فهي لا تكتب عن الحب، وإنما تكتب به. وكأنها اختصت لذاتها محبرة من القلب ومدادًا من الوريد، لذلك جاءت عبارتها خلال هذا الحوار كأنها مفتاح مشروعها الشعري كله: «الحب هو اللغة التي أطلّ بها إلى العالم.»
هذه الجملة وحدها تكشف أن القصيدة عند سميحة عطية ليست وصفًا لمشاعر، ولا ترفًا لغويًا أو فانتازيا شعرية، إنما إعادة تشكيل للعالم من خلال القلب. ولهذا أيضًا، حين وصفتُ تجربتها في مقال سابق بأن العشق فيها «قدر لغوي»، لم تتعامل مع الوصف على أنه قراءة نقدية فحسب، بل أكدت أن العشق يبلغ مرتبة الوجد، قائلة: «عندما أمرّ وتفوح مني رائحة حبك وأنا دون حول مني ولا قوة، عندها يكون العشق قدرًا لغويًا.»
إنها رؤية تجعل اللغة امتدادًا للحب، وتجعل الحب قدرًا يفرض مفرداته على الشاعرة، فلا تعود الكلمات اختيارًا، إنما دفق هادر جاء استجابة لفيض داخلي.
وترى سميحة عطية أن الكتابة ليست صناعة أدبية بقدر ما هي فعل إشعال للروح، إذ تقول: «أنا أكتب لأنقل دفء العواطف بين الأحرف حتى تصبح بخورًا في مجمرة العشق.» ومن هنا تأتي خصوصية لغتها؛ فهي لا تبحث عن البلاغة المتكلفة، ولا عن الغموض المقصود، هي تصنع لغتها الخاصة، تعتمد على الكلمة التي تصل إلى القلب وهي تحتفظ بنقائها الأول.
ولا تؤمن بمواعيد للقصيدة، فالإبداع عندها لا يخضع للساعة، وإنما للإحساس: «في الحب لا حدود، وفي الكتابة لا وقت محدد. عندما يفيض بي الإحساس أكتب، وعندما ألامس قلب القارئ أعتبر أنني كتبت.»
ورغم هذا البوح العاطفي، فإن المرأة في شعرها لا تفقد كبرياءها. إنها عاشقة، لكنها ليست مستسلمة. لذلك تقول بثقة: «أمشي حتى تفوح مني رائحة عطرك ويسأل العاشقون: أي عطر هذا؟ ولا أبالي.» فالحب عندها يمنح القوة، ولا ينتقص من الكرامة.
وحين سألتها عن السؤال الذي ما زالت تبحث عن إجابته في القصيدة، جاءت إجابتها لتكشف البعد الروحي في مشروعها الشعري: «أن أرتفع إلى مرتبة التصوف، حيث تغادر الروح سجن الجسد لتعيش في الحرية… أو على كتف الحبيب.»
هكذا تبدو سميحة شاعرة لا تكتفي بكتابة القصيدة، بل تحاول أن تجعل منها رحلة نحو الحرية، حيث يلتقي الحب بالشعر، ويلتقي الشعر بالتصوف، وتصبح اللغة بيتًا للروح.
وهنا أعود إلى أصولها الجنوبية المطرزة بالجمال البيروتي.. لأقول، وبكل ثقة، إنها تكتب وطنها من بوابة الحب الخالد…
ولا أقصد الحب بمفهومه الضيق، إنما معرفتها أن الله هو الحب.
وفي هذا الحوار، نحاول الاقتراب من هذه التجربة، ليس كتجربة حب فحسب، إنما لكونه مشروعًا شعريًا يرى العالم بعين القلب، ويؤمن بأن القصيدة قادرة على أن تمنح الإنسان حياة أخرى.
في آخر الحوار يجب أن أقول: إنني أذهب إلى شعرها يوميًا…
وكأن كلماتها تطرز الصباحات بكل هذا الجمال..
نعم، أقرأها.. بكل شغف.. وأعتز بأن المكتبة العربية ستتفاخر يوماً بشاعرة مختلفة

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
